Expeditions

A journey of a thousand miles begins with a single step

- Chinese proverb

الإسكندرية


وفقا للافتة عند المدخل فإن مسجد المندرة بحري (قبالة قصر المنتزه) أسسه الخديو عباس حلمي الثاني (خديو مصر في الفترة من عام 1892 وحتى عزله في 1914).
لكن كغيرها من مناطق الآثار في مصر تجد الفوضى والإهمال والتسيب المخزي في كتابة التواريخ. ففي الصورة الثانية كان الأصل المكتوب على ما يبدو 1922 ثم تطوع أحدهم وصوبه إلى 1822 !!
والنتيجة انه لا يمكنك معرفة تاريخ دقيق للمسجد.
هل هذا أمر متعمد مع آثار الفترة الملكية؟! لا اظن ذلك، فهذا المنهج منبع مع الآثار في ربوع المحروسة من مدينة الكوم الأحمر حيث لوحة نارمر (مينا موحد القطرين) إلى هذا الأثر الذي تركه آخر نائب للسلطان العثماني.
***
هذا مصطلح جديد نسبيا في العمران والسكن يترجمه البعض إلى تحسين أو تجديد عمراني. الصورة المرفقة من شرفة الفندق الذي أمضيت فيه ليلتي في الإسكندرية ، بطول كورنيش المدينة آلاف من هذه الأبنية القديمة تنتظر "إحلالا عمرانيا" عبر الهدم وإعادة البناء. لا يقتصر الأمر على أبعاد هندسية وعمرانية ومالية ونشاط اقتصادي بل يتضمن هذا المصطلح إعادة توزيع سكان المدينة فيرحل من منطقة القلب السكان "الأصليون" ليحل محلهم وافدون جدد يختلفون في درجة الثقافة والطبقة الاجتماعية والسمات العمرية.
التحسين العمراني عملية تتجاوز فكرة التجميل، هي أكبر من إعادة هيكلة، وأشمل من مجرد حراك سكاني وتغيير أنماط اقتصادية.
لماذا صحوت اليوم فتأملت النفس البشرية كهذه العمارة؟ هل تحتاج النفس لإعادة إعمار واستقبال سكان جدد ومستعدة للحراك؟. 
صباح الأمل 
***
في عام 2007 حقق كتاب "العالم مسطح" للصحفي الأمريكي الشهير توماس فريدمان واحدا من أعلى معدلات مبيعات الكتب في أرجاء المعمورة. تقوم فكرة الكتاب على أن العالم من زوايا العولمة الاقتصادية والاتفاقات التجارية لم يعد ذلك العالم الذي نتخيله في شكل كرة أرضية يختفي منها جزء ويظهر منها جزء ولابد أن تلف الأرض دورة كاملة لنرى كافة أراضيها وبحارها. 
العنوان ساخر وذكي يعود إلى تلك المجتمعات الدينية في القرون الوسطى التي كانت ترفض الإقرار بكروية الأرض وتصر على أن نصوصها المقدسة تؤكد أن الأرض مبسوطة مستوية ومسطحة، وقد صار في القرن الحادي والعشرين مسطحا من جديد، لكن هذه المرة من زاوية حركة السلع والبضائع وسريان التدفق المالي.
ما علاقة ذلك بزيارة المندرة والصورة المرفقة!؟
تعج منطقة المندرة بعدد كبير من المقاهي والمطاعم لدرجة تستدعي إلى ذهني كلما زرت المكان ان الاسم قريب في معناه من ذلك الجزء من بيت الأثرياء في الريف المصري الذي يتم فيه استقبال الضيوف ومسامرتهم. 
اقيمت الإسكندرية فوق سلسلة تلال مرتفعة كانت تعطيها رؤية بانورامية للبحر في الشمال وبحيرة مريوط في الجنوب. يلزمنا التفكير في معنى للمندرة بعيد عن ذلك المعنى الظاهر المستوحى من الجلوس والاسترخاء والمسامرة. 
فهنا وحتى منطقة إدكو ورشيد شرقا وكذلك حتى العجمي غربا كانت تمتد مجموعة من الطوابي والقلاع. من أشهر هذه القلاع والطوابي قلعة قايتباي في رشيد التي شيدت في عام 1482 م وقلعة توأم تحمل نفس الاسم في غرب الإسكندرية شيدت في 1497 م (لا يعرف الناس الأولى ويزور الثانية الملايين سنويا).
لم تكن هذه القلاع تستخدم للتحصين والمراقبة ضدالحملات الصليبية كما في عهد صلاح الدين ( 1174 م - 1194) بل الأقرب أنها كانت تستعد لمراقبة الساحل تحسبا للهجوم الوشيك الذي كانت مصر في العهد المملوكي تتحاشى مصيره وهو السقوط في قبضة السلطان العثماني، وهو ما حدث فعليا في 1517 م.
وبناء عليه فإن الأقرب أن الاسم الأصلي للمكان هو "المنظرة" بمعنى مكان النظر والمشاهدة والمراقبة ثم خففت الكلمة إلى "المنضرة" ثم حرفت وشوهت أخيرا إلى "المندرة".
أما الصورة المرفقة ففي المندرة ايضا جئت إليها هذا الصباح باحثا عن لافتة مختبئة لا يعرف مكانها أحد، تقول اللافتة البالية غير المقروءة إن الموقع أثري يسمونه "طاحونة غلال" من عهد محمد علي باشا. الحقيقة أنني لولا هذه اللافتة لظننت الطاحونة طابية أو برج مراقبة من العصر المملوكي لتشابه التصميم من بعيد ولان موقعها فوق نفس المرتفعات التي ابتلعتها العمارة والطرق الأسفلتية. 
المفترض ألا نشعر أن العالم مسطح في المندرة، فإذا اتجهنا للبحر شمالا سنهبط إلى منخفض أقل منسوبا وإذا اتجهنا جنوبا سنهبط إلى شارع أبو قير الأقل منسوبا، لكن الابراج السكنية ابتلعت الفروقات والتضاريس والأقواس الأرضية.
هل صار عالم الإسكندرية مسطحا؟!
نعم للمنظرة (من النظر والمشاهدة والمراقبة). .لا للمندرة !
***
لماذا تشتهر الإسكندرية بسقوط عمائرها ؟!
من حي سيدي بشر، تقاطع خالد بن الوليد مع محمد نجيب.
***
سؤال عن "سيدي بـِشر" ! 
يحمل واحد من أهم أحياء الإسكندرية اسم مقام ومسجد "سيدي بشر العارف بالله" . وليس هناك من سبيل لزائر المكان لأن يعرف أي شىء عن صاحب هذا الاسم. لا يضم المسجد ولا حرمه أي معلومة عن تاريخ المسجد وأصله. 
تتأرجح التقارير الإعلامية على شبكة الإنترنت من الاسم منسوب لأحد الصحابة الذين وفدوا إلى مصر مبكرا، أو إلى أحد الصالحين الذين وفدوا من المغرب في القرن الخامس الهجري، وفي الثقافة الشعبية أن المكان لأحد حجاج شمال إفريقيا الذين لقوا ربهم في الإسكندرية خلال رحلتهم للحج إلى مكة المكرمة. 
في نهاية خطبة الجمعة أمس توجه إمام المسجد بالدعاء بأن يرضى الله عن صاحب هذا المقام "سيدي بشر بن الحارث". بعد الخطبة بحثت في محركات البحث عن سيدي بشر بن الحارث فوجدت أنه مشهور بالحافي وواحد من مشاهير الصوفية في العراق من قديم الزمان (أو اللا زمان)
هل لد أحد من المهتمين معلومات "موثقة" عن الموضوع؟
والسؤال الآخر: من يهمه الأمر؟ هل يحتاج الناس في مثل هذه الحالات إلى ما هو تاريخي موثق بالمعلومة، أم أنهم يفضلون عادة تحويل المحدد إلى نسبي، والزماني إلى لا زماني، والمكان إلى كل المكان، والتخلي عما هو عراقي ومغربي ومصري لينطبق بعده الروحي إلى كل الأماكن؟
لن أكتب شيئا عن عمارة المسجد وحالتها..الصور تقول ذلك.
الموقع على الخريطة.

Quseir, Al Bahr Al Ahmar, Egypt