Book of Stories

"Talking a lot and have a lot to say - are not the same thing"

- Sophocles

في محطة الرمل

أحب في زيارة الإسكندرية التجول في محطة الرمل، ليس لدىَّ مصادر موثوقة عن أصل تسمية المكان، لكني أميل إلى تصديق ذلك المصدر القديم الذي يقول إن اللسان الأرضي الطويل الذي أصدر الإسكندر الأكبر (أو أحد خلفاؤه) أوامره بردم البحر عنده بين جزيرة فاروس والساحل الرئيس لأرض المدينة ربما كان سببا في تسمية المكان ومبرر نشاة الميناء في المدينة التي لم يكن لها ميناء. 
أطلق خلفاء الإسكندر على هذا اللسان الرملي الطويل اسم "هيبتا ستاديون" بمعنى "7 ستاد"، لقد كان الاستاد هو وحدة القياس الرئيسة في القرن الثالث ق. م ويبلغ طوله نحو 600 قدم (180 مترا) ومن ثم فإن 7 ستاد تبلغ نحو 1.3 كم تقريبا وهي طول المسافة من محطة الرمل وموقع جزيرة فاروس القديمة. 
محطة الرمل عندي هي واحدة من أهم معالم المدينة، ليس فقط بموقعها القديم قبالة موضع فنار الإسكندرية الشهير أو قلعة قايتباي، بل بكل تفاصيلها، حتى بعربات الترام الذي تبلغ أجرته جنيها واحدا ويسير غير مكترث بالزمن. في كلمتين، أشعر في محطة الرمل برائحة مدينة بحرمتوسطية تقاوم بجسارة غيمات داكنة من العشوائية والضوضاء.
اليوم اخترت أن أفتش في الشوارع الخلفية لمحطة الرمل، جلست في مقهى مبعثر المقاعد أسفل عمارة تحمل لافتة مكتوب عليه "العقار آيل للسقوط وأصحابه غير مسؤولين عن أية إصابات للمارين أو الجالسين تحته". كنت قد توقفت قبل قليل أمام بائع كتب على رصيف المحطة واشتريت منه رواية "الزانية" لباولو كويلو. 
دهشت للجرأة التي صارت عليها دور النشر العربية في اختيار عناوين للنسخ المترجمة من الأعمال الأدبية، خاصة أن اسم الرواية في الأصل البرتغالي (وشبيه به في اللغات اللاتينية) يحتمل خيارات عربية عديدة تؤدي نفس الغرض. 
ابتسمت في نفسي حين قرأت مقدمة باولو كويلو لدار النشر اللبنانية في تصدير الترجمة العربية وهو يقول على لسان أحد الحكماء (بذكاء ومكر بليغ) إن أهم ما تعلمه من دروس كان من التصوف الإسلامي. ياله من توازن حين يخفف الناشر من جرأة العنوان (وغلافه ومحتواه) بمقدمة المؤلف عن استلهام حكمة الحياة من التصوف الإسلامي. 
تدور أحداث الرواية في سويسرا على ضفاف بحيرة ليمان (والمعروفة أيضا باسم بحيرة جنيف). انتبهت لأول مرة إلى تلك الدعابة غير المفهومة التي يطلقها بعض أصدقائي وهم يمزجون الضحك بالألم والسخرية متذكرين سنوات اعتقالهم في سجن "ليمان" طرة ويطلقون على هذه الفترة اسم سنوات "سويسرا". 
على ضفاف بحيرة ليمان تعيش امرأة سويسرية حياة هانئة رغدة وتعمل في صحيفة مرموقة لكنها تشعر بالملل وتسعى إلى كسر رتابة الحياة بالبحث عن علاقات جسدية غير مشروعة هروبا من الاكتئاب. 
هل يعود التاريخ نفسه؟! حين زار يوسف إدريس الكاتب المسرحي السويسري فردريك دورنمات قبل 60 سنة كان مندهشا من الجنة التي يعيش فيها ذلك الكاتب حول جبال الألب والبحيرات الرائعة بينما أعماله الشهيرة تعالج التعاسة والصراع الإنساني كما لو كان يكتب عما نعانيه في بيئات عالمنا العربي.
أنهيت نصف رواية "الزانية" وأنا أجلس على المقهى أسفل تلك البناية السكندرية الآيلة للسقوط، وطيلة الوقت الذي احتسيت فيه "شاي كشري" ثم "قهوة ع الريحة" كانت تجلس أمامي على الطرف الآخر فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها، تبدو كما لو أن القطار قد دهسها مرتين وخرجت في كل مرة حية تسعى، وجه شاحب مصفر، ترتدي هنداما يبدو أنه كان أسود اللون قبل أن تحيله حرقة الشمس وسنوات التيه ودهس القطار إلى لون رمادي أو رصاصي، وفوق ذلك غطاء محكم لحجاب على رأسها النحيل، تتكلم في الهاتف المحمول بعصبية، ثم تنهار في بكاء صامت لا يسمعه أحد، كما لو كنت تشاهد تلفازا كاتما للصوت، وفي ختام كل نوبة من نوبات البكاء تلعق دموعها بشفتيها الذابلتين.
أعود إلى رواية باولو كويلو، أنهيت المائة صفحة الأولى، أطرد من ذهني خاطرا أنه لولا وجود اسم كويلو على غلافها لظننتها لكاتب مغمور يتفاصح مع بعض تحليل نفسي وإلماحات جنسية فجة مغررة بالقارئ. صحيح أن كويلو يبقى متميزا في تقمص دور الراوي المرأة التي تتحدث فيه البطلة عن كل تفاصيل حياتها وصراعها النفسي، كما يبقيك على الحياد، فلا تشعر بتعاطف مع المرأة الخائنة أو بشفقة على زوجها (لأنه ربما يخونها أيضا) كما أنه لا يجعلك متعاطفا ولا منتميا إلى تلك الصراعات السياسية الباردة في سويسرا ذلك البلد الذي يسير بنظام كعقارب الساعة، نظام يذهب بأهله إلى الملل والكآبة (وجدتني شبه متفق مع إشارة في واحدة من أشهر الصحف الأوروبية توجه نقدا لكويلو الذي أسلم نفسه لفخ الصورة النمطية عن حياة سكان سويسرا الهانئة الكئيبة الرتيبة معتبرة ان كويلو بقي في مياه الرصد الضحلة ولم يتعمق لأغوار الحياة السويسرية). 
في هذه الساعة التي أكتب فيها هذا المنشور لا أعرف ما الذي ستحمله بقية قصة كويلو بعد المائة صفحة الأولى، لكني أغلقت الرواية ونظرت إلى تلك الفتاة التي تجلس أسفل الشرفة الآيلة للسقوط في ذلك المقهى، والتي كانت من فرط كتم بكائها في الهاتف المحمول قد مدت يدها إلى صدرها وجذبت عقدا مزيفا بلون اللؤلؤ فانفرطت حباته على أرض المقهى وجنبات الشارع.
غادرت المقهى بعد أن دفعت حسابي، ودسست رواية كويلو في حقيبتي، ولم أمنع نفسي من متابعة تلك الفتاة وهي تلضم العقد اللؤلؤي المنفرطة حباته، وتكفكف دموعها، وتستجمع قوتها، وتمسك سيجارة حقيرة بيدها اليسرى فتسحب منها دخانا كثيفا ثم تنظر إلى الأفق في هذا النهار الساطع...هناك في محطة الرمل!

لمن هذه الأيدي

كان آخر ما سمعه في شجاره مع زوجته هذا الصباح عبارة "دي عيشة بقت سجن!". لا يذكر حقا من قالها للآخر، كل ما يذكره ما أعقب تلك العبارة من ارتطام كبير لباب تلك الشقة الفسيحة المؤلفة من أربع حجرات وهو يغادرها ذهابا للعمل، لا يذكر أكان هو قد جذب الباب خلفه بعنف اعتراضا صاخبا على قولها أم أنها هي التي دفعت الباب طاردة إياه ومطلقة ثورة ساكنة ضد عبارته التي أصدرت حكما بالإعدام على حياتهما بعد كل تلك السنين.
لا يذكر كيف نزل السلم، كيف أدار سيارته وجلس بها دقيقتين انتظارا لتدفق زيت المحرك في شرايينها. وبينما يشد كمي قميصه الأبيض من تحت سترته الزرقاء شاهد بواب العمارة غارقا في نومه على سجادة مزركشة وقد طرده القيظ خارج الغرفة التي بنيت تحت سلم العمارة. انتشل نفسه من تأمل غرفة البواب التي لا تزيد عن مترين بينما أبقت زوجته بابها نصف مشرع طلبا للهواء في هذا الصباح، أشاح بوجهه الناحية الأخرى صارفا نظره عن ذلك المحبس الذي ترقد فيه زوجة البواب ونصف ساقها عاريا محتضنة طفلها الذي حل للدنيا قبل ستة أشهر.
غادر العمارة على مهل وانعطف بسيارته في طريق داخلي حتى التحمت بنهر الشارع الكبير. حينما حاول أن يتذكر من كان منهما بادئا بعبارة "دي عيشة بقت سجن! كاد يصطدم في شروده بسيارة كلعب الأطفال سكت عنها القانون في تلك البلاد وأعطاها ترخيصا ليحشر فيها السائق ثمانية ركاب حشرا كأمهر عامل في مصنع تعليب السلمون أو معمل تخليل الخيار. حين أفلت من شروده واصطدامه سبه السائق قائلا "ما هي عشان أمك اللي مشترياها لك مش فارقة معاك!" 
داخله بعض من الألم، لا لأنه اشترى السيارة من كدح نور عينيه وآلام ظهره بل لأن شروده جلب السباب لأمه التي ترقد في قبرها بعيدا عن هذا العالم البائس. استبعد أن تكون أمه - انتظارا ليوم النشور - ترقد في محبس كتلك العربة ذات الركاب الثمانية أو غرفة سجن كالتي تستلقي فيها زوجة البواب. إن لم يكن قبر أمه روضة من رياض الجنة فأي أم في الدنيا ستحظى بفسيح الجنان؟!. 
ما زال الصباح باكرا، الساعة لم تتجاوز السادسة، ليس هناك ما يدعوه لكي يتململ حين توقف في إشارة مرور الميدان الرئيسي. أدار مؤشر راديو السيارة إلى إذاعة البرنامج الموسيقي مغادرا إذاعة القرآن الكريم التي تباعدت فيها فقرات البث القرآني وصارت إذاعة "الكلام الكبير" . 
مضت نصف دقيقة في إشارة المرور قبل أن يحل شبح أزرق ويتوقف عن يسار سيارته. كانت تلك عربة الترحيلات آتية من طريق صحراوي طويل كما يبدو من عجلاتها المتربة. 
رفع رأسه لأعلى ناظرا إلى الشباك الصغير في تلك السيارة السجن وقد تزاحمت الأيدي على ثلاثة أعمدة حديدية وشبكة سلكية لا يزيد اتساعها عن بضع سنتيمترات. كان هذا الشباك هو كل العين على الحياة. سأل نفسه: ما الذي حبس هؤلاء؟! 
على تلك الشرفة التي تطل من سجنهم على سجنه استطاع تمييز أغصان متشابكة من أيادي تتنافس ليطل صاحبها على بشر غير السجانين، تتنازع الشرفة وحديدها الأسود الصلب أياد نحيلة وسمينة، سمراء وبيضاء، ذات شعر كثيف وأخرى جرداء. سأل نفسه: لمن هذه الأيدي؟ ومن أي محبس أتت وإلى أي محبس تذهب؟

جزاء الجان

سافر ألكسندر فيدروف صبيا إلى اليمن في نهاية ستينيات القرن العشرين برفقة أبيه أستاذ الرياضيات تلبية لانتداب السلطات السوفيتية لدعم العلاقات مع اليمن، وهي نفس الفترة التي سافر فيها زملاؤه إلى السد العالي في أسوان. 
التقيت ألكسندر في بيت "صابر" ذلك المبتعث اليمني الكريم الذي كان يدرس دكتوراه الإعلام في شتاء روسي قارس عام 1998. كنت أزور صابر في سكنه الجامعي في سان بطرسبرغ دعما للوحدة العربية في الظاهر، وفي الباطن طمعا في الوجبة الشهية التي يطهى فيها السمك السلمون مع الأرز الأبيض، كنا نأكل تلك الوجبة الساخنة وننظر بانتصار عبر النافذة إلى الثلج المتراكم في الشوارع الغارقة في الصقيع والضباب. 
ومع صليل المعالق في الصواني عرفت أن ألكسندر الذي فتن باليمن في صباه اختار بعد عودته لروسيا دراسة الأدب العربي وصار باحثا في الاستشراق. 
صرت صديقا لألكسندر، وترددت على بيته مرات عديدة، وكانت زوجته ناتاشا ترحب بي دوما، سيما بعدما صرت أحمل معي في كل مرة الشيكولاتة البيضاء التي تحبها (من نوع ترويكا).
كان حديثي الدائم مع ألكسندر عن موضوع رسالته التي تناولت "الشعر اليمني في جلسات القات". رسم لي ألكسندر صورا وخيالات فريدة عن اليمن وأهلها، وحكي لي لأول مرة ما لم أكن أعرفه عن القات ودوره الاجتماعي في تلك البلاد. 
بعد ثلاث سنوات من لقائي بألكسندر وعودتي للقاهرة تعاقدت للتدريس في السعودية، وبدلا من أن أسافر مثل زملائي إلى الرياض أو جدة أو المدينة كنت محظوظا على ما يبدو، لأن عملي جاء في ذلك المكان الذي يفر منه المتعاقدون: جازان. 
ما إن تطأ قدماك جازان حتى تعرف الجغرافيا على حقيقتها: هنا يجتمع عليك ثلاثة شياطين في آن: حرارة ساخنة تلهب الأجساد، موقع ساحلي على البحر الأحمر يرفع الرطوبة لنحو 80 % فلا تستطيع التنفس، وأما الشيطان الثالث فهو "الغُبرة" وهي عواصف رملية تهب أحيانا فتحمل رمال الإقليم وتنثرها في كل فج وشق وتسد بها الأنوف والصدور والشعب الهوائية.
في اليوم التالي لوصولي سألت أحدهم: ماذا يعني اسم جازان؟ دلني الرجل على بعض الكتب التي يمكن أن أجد فيها المعنى الأكاديمي الذي ربما يرجعها إلى معنى الاجتياز والعبور، لكنه انحني قريبا مني كي لا يسمعنا أحد قائلا "الناس هنا لديهم تفسير آخر وهو أن سيدنا سليمان عليه السلام حين عاقب الجن اختار هذا الموقع الجغرافي ليحبسهم تأديبا لهم ومن ثم سُمى المكان "جزاء الجان" ثم حُرفت إلى "جازان". 
على مدار عامين تنقلت في جازان بين البحر والجبل، صعدت جبال فيفا الخضراء التي اشتق اسمها من الفيافي العالية فترى من قممها الأرض والبحر كما لو كنت في طائرة أو مركبة فضائية، أبحرت بمركب عصري إلى أرخبيل جزر فرسان، وهناك دلني "مفتاح" من أهل الجزيرة على أثر قديم لكنيسة قال لي إنها من عهد الرحلات الأوروبية الاستعمارية.
طردني القيظ مجددا من السهل إلى الجبل طمعا في هواء منعش وخضرة باسقة فوصلت إلى غابات تقفز فيها القرود في أنس وتناغم بين السكان. كانت المدرجات الزراعية هنا تشبه تلك التي نراها في الصور الإعلامية في الفلبين وجنوب آسيا (انتهزت الفرصة وتنقلت بين مدرج وآخر). أخذني طالبي النجيب "إدريس" بسيارته ذات الدفع الرباعي إلى بيته المنحوت فوق قمة الجبل، كانت السيارة تصعد بزاوية رأسية فأرى عجلتيها الأماميتين تلامسان السماء فأغمض عيني انتظارا لانقلابها إلى الخلف ثم سرعان ما تستوي مجددا مؤملة بلوغ قمة جديدة لا نهاية لها. أخبرني "إدريس" أن قرود تلك الجبال تقرع أبواب البيوت إن احتاجت لبعض غذاء فيرحب بها أهلها.
عامان في جازان عرفت فيهما أن المكان ليس "جزاء الجان" بل هو كنز للجغرافي عند تقاطع الطرق، هِمت في "صبيا" و"أبو عريش" وبلغت "رأس الطرفة" ومخارج الجبال إلى "أبها" و"خميس مشيط". 
وحين كنت أصعد جبال فيفا كان يدهشي أولئك الرجال الذين يطوقون رؤوسهم بأكاليل الورد والفل والياسمين حتى إذا سلمت عليهم وقبلت رأسهم شممت منهم كل عطر طيب، وحين كنت أنزل البر والسهل والوهاد كنت ألقى أولئك الذين يرتدون "الفوطة" الهندية ويجتمعون في جلسات القات ....تلك التي رسمها في خيالي من قبل ألكسندر.

يريدون من البحر أن يتكلم

يريدون من البحر أن يتكلم، فماذا يقول البحر لهم؟! علموا الناس أن في "أحشائه الدُر كامنٌ" وأخفوا عنهم أن في أضلعه الشك راقدٌ ، فماذا يقول البحر؟! عن أية سفن يحدثهم؟ كم من حلم مسافر عبر البحر؟ عقد العزم على العودة إلى البر والرمل ولم يعد؟ كم من راغب في الوصول ولم يصل؟ كم من واصل وصل ولم يصل؟ رست سفينته وما زال مركب قلبه متأرجح بين أمواج ومرافئ. 
يريدون من البحر أن يتكلم ..فماذا يقول البحر لهم؟! تولد الكلمات من أحشائه بلا صوت، كفأر ولد من رحم جبل، ينظر إليها، يبتلعها مجددا كي لا يفقد هيبته، يستردها مجددا كما يسترد موجه الساذج الذي يظن أن الشطئان والمراسي وطنا آمنا. 
البحر مسجور، يبث قاعه نارا كما ينفث سطحه ركاما من سحاب معلق بين السماء والأرض، وما الأرض؟ وهل الأرض سوى بحر كبير وبعض من أرض؟ فماذا يقول البحر لهم؟
في سماء البحر تحلق كل الطيور من نورس وبوم وغربان وغرانيق، ترتع في سماء البحر كل الصقور وبعض من حمائم تائه.
يريدون من البحر أن يتكلم...فماذا يقول البحر لهم؟

شارع شامبليون

كلما جررت أقدامي في هذا الشارع تنتابني أسئلة الشك؟ أفشلتُ أم نجحت؟ هُزمت بالضربة القاضية أم بمجموع النقاط؟ خُدعت مرة أم مرتين؟ في هذا الشارع أتحسس رأسي وذراع نظارتي الأيسر وأسد أنفي وفمي كما لو أن دوي الرصاص وسحب الغازات الخانقة لم تكن في يناير 2011 بل كانت عصر أمس. 
ليس لهذا المقهى القبيح المبعثر المقاعد قيمة في سجل مقاهي الدنيا سوى أنه يذكرني بما مضى، أترك نفسي اليوم على أحد مقاعده قرب الرصيف وأطلب من القهوجي أي شىء...أي شىء.
سبحان مغير الأحوال، تلك الشلة التي تشد أنفاس الشيشة الآن كان يجلس مكانها ثلة أخرى كانت قد منحت نفسها حق كتابة الدستور عشية تنحي مبارك، عن يميني هنا كان فريق يختار الحكومة ويوزع الحقائب الوزارية وفقا لأصوات الميدان. تلك المغنية التي يتفتق فستانها عن جسد يبث الغواية للأعين المعلقة بشاشة المقهى احتلت بكل انتصار وثقة مكان نشرات البي بي سي والعربية والجزيرة وسي إن إن. 
لم أعد أرغب في أن أرى أحدا من رواد هذا المقهى الذي يصيبني الآن بدوار، تغير كل شىء. وحده بقي حسين في مكانه بنفس جلسته التي كان يجلس فيها منذ سبع سنوات، مسندا كرسيه الخيزران إلى الجدار وناظرا إلى قصر شامبليون الذي تسكنه الأشباح. 
تغيرت مياه كثيرة في أنهار حسين وهو الفنان والرسام والمحاضر الجامعي، صار يضحك أكثر، يجلس على المقهى ساعات أطول، يدخن أكثر ، ينظر إلى خراب قصر شامبليون بنظرة كلها ابتسامة وصفاء كما لو كان في باريس يراقب تحفة معمارية عند التقاء شارع الشانزليزيه مع ميدان آرك دو تريومف. 
لا علاقة لحسين بالسياسة والثورة والتغيير، فقد بلغ هذه الحالة بعد أن دق الحب باب قلبه بعد 20 سنة زواج، فمال عقله قبل روحه إلى فنانة مبدعة من تلميذاته واتفقا على الزواج، أخذت زوجته ابنتيه واستولوا على مدخراته وتركوه محطما على قارعة الطريق عقابا على "خيانته". حين نقلناه إلى المستشفى وأجريت له جراحة في القلب لم نكن نظن أنه سيعود للحياة. الآن تقول ضحكته الساخرة لرواد المقهى إنه سعيد ناضج وتقول لنا نحن أصدقائه المقربين إنه لا يصدق حكمة تلك السلفة الغامضة من الحياة التي منحها إياه مَلك الموت.
صار حسين الصموت مقصدا لكل الغارقين في شهوة الكلام، يسمع وكأنه يهتم، يرفع حاجبيه ويبتسم بين الحين والآخر فيظن محدثه أنه يتابع. حين رأيته اليوم ألقيت عليه تحية المساء بعيني ولم أذهب إليه، كيف أذهب إليه ومعه مسعد السمسار؟ 
لا يعرف أحد لماذا سمي مسعد بالسمسار، رواد المقهى يتناقلون عنه قصصا متناقضة، منهم من يقول إنه يحمل بطاقة أستاذ جامعي، والبعض يقول بل طبيب أمراض نساء، وبعض آخر يقول إنه صحفي مرتزق، يجد مسعد السمسار في أمثال حسين فرصة سانحة لاستعراض قدراته.
حين اعتدلت في جلستي علق حسين نظراته بي مبتسما بينما تظاهر بالاستماع إلى مسعد الذي مضى يقول: "يعني هو الريس هايعمل إيه، معذور لازم يشيل الدعم عن البنزين والكهربا، الناس في البلد دي مش بيعجبها حاجة، عايزين يأنتخوا وبس ياحسين، اسمع مني أنا ..أنا لفيت كتير، طب عارف أنا لسه جاي من سنغافورة وماليزيا، عملوا زي عندنا بالظبط ودلوقتي ما شاء الله عليهم من أحسن دول العالم".
وقبل أن يجيب حسين أو ينطق بكلمة، مر من أمام القهوة على دراجته العوجاء إبراهيم بياع العيش قاصدا شارع معروف، لم يسمع إبراهيم كلمة من حوار مسعد ولكنه مع ذلك نادى بأعلى صوته فانتبهنا له جميعا وقال " ما تصدقوش ياحسين دا كداااااااب" . 
نضحك جميعا ثم نعود إلى ما يشغلنا، يعود حسين إلى نظرته المبهمة، ينظر بهيام طفولي إلى الصمت والخراب في التحفة المعمارية لقصر شامبليون.
أرفع بصعوبة فخذي الأيمن مع بقية جسدي وأهم بالانصراف، أتلفت حولي في أرجاء المكان، سبع سنوات تائهات وقد تغير كل شىء، شىء واحد لم يتغير، شىء واحد انتصر في كل الأوقات، شئ واحد حقق حلمه منذ قرقعة القنابل، هو الباقي وحده لا شريك له: "كشري أبو طارق".

أحلمُ بالهند - 1

​لما لا أحلم بالهند وملامحي منذ الصغر تقول إني هندي؟ لما لا أحلم بها وقد عرفت أن عِلم الهند"سة" اشتقاق من اسم هذه البلاد التي تُعرف باسم أرض الهند"وس"؟ كيف لا وغاندي كان وما يزال يعرف بكنيته الشهيرة "المهندس" أي الحكيم. أجلس في صالة استقبال قنصلية الهند في وسط البلد انتظارا لتأشيرة السفر، هل سيمنحني القنصل جواز دخول بلاده؟! رباه ...طالت غيبته خلف الحاجز الزجاجي وهو يفحص أوراقي. ورغم أن ملامحي في مصر تقول للناس إني هندي إذ به وهو الهندي الذي يفترض أن يشعر بي، وهو الهندي الذي يجب أن يحس بشوقي لبلاده، يسألني:ملامحك تقول إن لك علاقة بالخليج، وفي جواز سفرك تأشيرة تدريس في جامعة خليجية: هل تود توصيل أموال للمسلمين في بلادنا ؟!متفهما مخاوفه استعنت بكل ما في القاموس الإنجليزي من كلمات التهدئة والتلطيف، هذا هو العام 2004، المسلمون والهندوس في قتال ونذر حرب أهلية تطل برأسها وهي التي لم تنطفئ منذ التقسيم في منتصف القرن العشرين، فريق يدمر مسجدا بدعوى أنه بني فوق معبد هندوسي تاريخي، وفريق ينتقم بقتل أبناء غريمه، فريق يلقي بالمئات من القطار ،وفريق ينتظر الانتقام. يعود القنصل إلى مكتبه الزجاجي يقلب في أوراقي. رباه.. سيبدد هذا الرجل حلمي !أحاول أن ألهي نفسي وأهدئها فأتصفح مجلة هندية صادرة بالعربية على مائدة الانتظار، وجدت بها مقالا لكاتب مصري بعنوان "انت فاكرني هندي؟!" يفند فيه الكاتب ذلك المثل الخاطئ في المخيلة الشعبوية عن بلد الذكاء والرياضيات والبرامج الحاسوبية. لا يفلح المقال في تهدئتي بل يزرع مزيدا من لهيب الشوق في ضلوعي. في منتصف المقال أنتفض منتصبا، أضم يدي خلف ظهري وأروح جيئة وذهابا، يرمقني القنصل من خلف الزجاج، تفضحني عيناه، أدرك بعد فوات الأوان سوء عاقبة قلقي الطفولي، أعود إلى مقعدي متظاهرا بالهدوء ....أشعر بالهدوء فعلا بعد أن فقدت الأمل.أسبوعان فقط بدلا من شهر، لن أعطيك تأشيرة أكثر من ذلك..ما رأيك؟!اشتريت أرخص تذكرة إلى الهند، وصورت مرجعا ضخما عن تاريخ وحضارة تلك البلاد من مكتبة الجامعة الأمريكية، ونسخت الجزء الثاني من رحلة بن بطوطة من مكتبة الجمعية الجغرافية، وطبعت من الإنترنت كل الصفحات التي نشرها الدليل السياحي الشهير "لونلي بلانت" عن بلاد تركب الأفيال. عبر الساعات الأربع الأولى في الطائرة التهمت نصف كتاب تاريخ وحضارة الهند قبل الوصول إلى مطار الشارقة. سنبقى في هذا المطار الانتقالي ساعة و10 دقائق لحين تجهيزها للإقلاع بركاب جدد (من العاملين الهنود في الإمارات). قبل أن تنقضي الساعة وبينما أنا أجلس في الطائرة وحدي من رحلة القاهرة يدخل مسؤول أمني يطلب مني المغادرة إلى صالة الانتظار، سنبقى هنا ثلاثة أيام لحين استقرار الأوضاع الجوية في مطار مومباي. هذا هو شهر أغسطس، موسم الرياح والأمطار الموسمية التي تسببت صبيحة اليوم في غرق نصف مدينة بومباي وتشريد الآلاف وموت المئات، كما تسببت في خروج طائرة مثل طائرتنا عن مسارها على مدرج الهبوط. ماذا سأفعل هنا ثلاثة أيام؟ ومن يضمن لي أن الأيام لا تصبح أسبوعا أو شهرا، ما حاجتي بالشارقة وأنا أحلم بالهند ؟!!

أحلمُ بالهند - 2

ثلاثة أيام أهيم على وجهي في ومضات خاطفة بأرض الإمارات. لو كان الأمر بيدي لما اخترت التجوال في أبو ظبي ودبي ولهـِمت شرقا بدلا من الغرب: إلى الفجيرة وتخوم عمان، إلى أول يابس تطلع عليه شمس يوم جديد في هذا "العالم" العربي المدهش. 
أسوأ أساليب السفر أن ترى العالم وأنت تحكم عليه من قبل، من يعطيك الحق في أن تسترجع من التاريخ الاستعماري اسم هذه البلاد: "الساحل المُهادِن"؟ ها هو الزمن يتغير سريعا، معسكرات المقاومة والمهادنة تتمازج إلى مصير خِلاَسِيّ....من كان منكم بلا مهادنة فليرمها بحجر !
من يعطيك الحق في أن تنظر نظرة حسد واستخفاف بمنجزات تنموية مروعة لو كانت في بلادك لنصبوا لروادها تماثيل تفوق حجما ما نحت لرمسيس الثاني في ميت رهينة؟! 
من يعطيك الحق في أن تسمي كل ذلك باستخفاف وبجمل مقولبة: "حضارة زائلة فوق رمال متحركة"؟!. أو أن تترجم عن الاستشراق الأمريكي قولهم "حضارة تدين بالفضل إلى صدفة جيولوجية جاءت بالنفط هنا لا هناك".
"إذا كان الرب قد خلق العالم فإن الهولنديين قد خلقوا أرضهم"، هذه المقولة التي يتعلمها أطفال المدارس الأوروبية عما فعله الهولنديون من ردم البحر وكسب يابس جديد وبناء بلادهم انتزاعا من اللامعمور تحضر هنا بالمثل. 
الرمل والطين والملح يتحول هنا إلى مشاهد آسرة لو شاهدها بن بطوطة قبل 700 سنة لقال عنها مقولته التي يكررها دوما حين تأخذه الدهشة ويفلس قاموسه اللغوي: 
"ولقد رأيتُ في هذه البلاد ما يضيق عنه الوصف ويقصر عنه الطرف".
"لا ياعزيزي ..أنت منبهر فقط بما فعلته الأموال النفطية، هذا ليس أكثر من سجن ذهبي رسمه المهندسون المعماريون الأجانب بدقة بالغة وكأنه عالم افتراضي على شاشات الحواسيب، لا توجد حياة هنا ياصديقي، هون عليك..أنت كعادتك متعجل و تحكم على المكان من ثلاثة أيام". 
استلزمت أصول اللياقة ألا أقاطع كلامه، سيما أنه صديقي الوحيد في هذه البلاد، وهو الوحيد أيضا الذي سارع بدعوتي في بيته على الغذاء غير بعيد عن مركز الأبحاث المرموق الذي يعمل فيه منذ خمس سنوات، والأهم من كل هذا (وأصدقكم القول) أن زوجته الكريمة كانت أثناء ذلك تضيف مزيدا من قطع الجبن الأبيض الشهي إلى طبق السلاطة الذي احتضنه بين يدي وفيه ما فيه من شرائح الطماطم الزاهية وحلقات الفلفل البرتقالي الطازج، هلى يتبقى لي سوى أن أتوقف عن الجدال؟! 
في جولات مكوكية أطوف بين الأحياء والأسواق، أطرد من ذهني كلام صديقي، أفتش عن المكان وروحه وناسه، لكني لا أرى من الناس غير المهاجرين، ومن المهاجرين لا أرى سوى الهنود: سائق التاكسي، جامع القمامة، حامل جهاز الرفع المساحي في الشمس الحارقة، منسق الحدائق. تغلبني الجغرافيا فلا أفرق بين الهندي والباكستاني والبنغالي، كل هؤلاء في خريطتي "هند".
في المساء، بعد تعب من سفر وتجوال أرتاح في بهو الفندق الذي يعمل فيه أيضا موظف هندي، أقلب جرائد ومجلات من كل لون، يستوقفني مقال طويل لكاتب خليجي منشغل بهموم العمالة الوافدة، يغص المقال بأسئلة عن العامل الهندي الذي جاء هنا في ريعان الشباب تاركا خلفه زوجته، يتسائل الكاتب مستحضرا حسه الإنساني المشترك: لماذا ترتفع حالات الانتحار بينهم في بلادنا؟ كيف يعيشون في أحواش وغرف مكدسة برائحة عرقهم وعوادم مطبخهم؟ أين يقضون أوطارهم الجنسية؟ وبأية طريقة ؟ 
أخرجُ للعشاء قبيل ساعات من إقلاع طائرتي إلى الهند، أبحث عن مطعم يقدم طعام أهل هذه البلاد ليكون تذكارا لبدني من هذه الزيارة الخاطفة غير المرتبة. أحتار في أمري، أعثر في النهاية على شىء شبه اًصلي، يستوقفني مطعم يحمل لافتة "أبازير". ماذا يعني هذا الاسم..أهي كلمة عربية؟ أجنبية مرسومة بحروف عربية؟!
أجلس إلى الطاولة فأختار طبقا قوامه من أرز مخلوط بأنواع البهارات الهندية، أسأل نفسي: أين يزرع الأرز في هذه الصحراء الجرداء؟ أتودد إلى النادل (الهندي أيضا) فيفتخر أن أرز مطبخهم ياتيهم هنا رأسا من البنجاب..سلة الأرز في الهند.
طال الشوق إلى مومباي !

أحلمُ بالهند. مومباي - 3

ثلاث ساعات أسند كتفي الأيسر على نافذة الطائرة وصدغي على زجاجها البارد مؤرجحا نظراتي بين جناح الطائرة والبحر من تحتي: طفلا أرى الأرض وبحارها من فوق بضع سماوات، ألتهم كل ومضة من موج، أو كومة من غيم، أو سحابٍ مكورٍ يمر بنا أو نمر فيه. 
قبل بلوغ مومباي بنحو ثلاثة أرباع الساعة تنسدل شاشة صغيرة من سقف ممر الطائرة عارضة خريطة إليكترونية يبدو عليها يابس ضخم يبشر بقرب دخولنا أجواء الهند.
يبدو أن مزاج ربان الطائرة على ما يرام، ها هو يدجج المتعة بالشوق فيدير من فوق رؤوسنا أغاني هندية راقصة بعثت النشاط في أعين النائمين ودست الحركة في أجساد الغاطسين في مقاعدهم. 
على هذا النحو أفاقت السيدة الهندية التي تجلس عن يميني في زيها المتوحد المتشتت في ضوضاء لونية بين أصفر وبرتقالي وحزام أزرق. يكشف الساري الذي ترتديه عن كل البطن والظهر، أعترف أنني لم أبذل جهدا في غض بصري: كانت ممتلئة ومتقدمة في السن.
يرتفع صوت الموسيق والأغاني الهندية الوثَّابة فاعتدل في جلستي متناولا نصف قطعة من حلوى ادخرتها من وجبة فرغنا من تناولها قبل ساعة. 
أمضغ ببطء وأطل على شاشة الممر فأقرأ أسماء الأماكن فيخفق قلبي، يبدو على الخريطة بجلاء اسم "ديو" ذلك الميناء التي شهد قبل خمسة قرون تلك المعركة الفاصلة في تاريخ البشرية، حين تحطم الأسطول المصري وكانت دولة المماليك هي آخر من يحاول إيقاف البرتغاليين عن التفرد بالهند. هل حقا ما يقوله بعض المؤرخين من أن "ديو " طردت مصر من صنع التاريخ العالمي؟ 
ما إن تجاوزنا "ديو" ونفوذها البحري إلا وأعلن قبطان الطائرة أننا نستعد للهبوط في مومباي. خلال هبوطنا التدريجي استعرض نفسه أمامنا محيط أخضر من غابات وأنهار وجزر وبحيرات، نكاد نرى سيولا من فيضانات الأمطار الموسمية أغرقت نصف مومباي. وقبل اللحظة المناسبة التي تدخل فيها طائرتنا المطار ترتفع فجأة وتغادر إلى خارج المدينة. 
يعلن القبطان أن المطار غير مستعد لاستقبالنا وأننا سنبقى معلقين في الجو لحين الإشارة. بقينا في الفضاء ننظر إلى مومباي ولا نجرؤ على الاقتراب منها، عشرون دقيقة كأنها دهر، لم تفلح الأغاني الهندية سوى في زيادة توترنا. 
تقترب طائرتنا مجددا من المطار فيخيب رجاؤنا ويعلن القبطان أننا سنبقى نصف ساعة أخرى نحوم حول المدينة. 
يأتي من المقعد الخلفي بإنجليزية نقية صوت سيدة تقول بكل هدوء وكأنها تتحدث عن شراء طلاء أظافر جديد: "إن لم يسمحوا لنا بالهبوط في المرة المقبلة سينفد وقودنا ونسقط في البحر". 
كيف استطاع ذلك القبطان أن يبدد خوفنا فيدور في جولة سياحية حول المدينة، كيف حدثنا بصوته الواثق عن معالم مومباي، كيف جاء صوته هادئا حكيما يقول: 
"ترون الآن على الجانب الأيمن الأثر التاريخي الشهير "بوابة الهند" ومن هنا ترون المطار الدولي وبجواره المطار المحلي، وعن يساركم الطريق السريع الذي يصل مومباي بالساحل الجنوبي". 
لا أذكر قدر القلق المنقوع في الشغف الذي مر بنا خلال تلك الدقائق/السنين التي أغمضنا فيها أعيننا وتضرعنا إلى آلهتنا خلال المحاولة الأخيرة للهبوط. 
كمن ولد للتو أو فر من الموت لامست قدماي أرض مومباي، وعرفت حينها فقط أن رحلتي إلى "أم العجائب" قد بدأت، فخطوت أتلمس خطى من سبقوني.

سان جيوفاني

هذه المرة لابد أن أقهر ترددي، عارٌ علىَّ أن أمر عليه مجددا دون أن استكشفه، يستفزني موقعه الاستراتيجي مشرفا من ناصيتين على خليج ستانلي في الإسكندرية. هل يخيفني أن عمر الشريف والملك حسين والسادات قد جلسوا في هذا المقهي ونزلوا في فندقه؟ أنا لن أقيم مثلهم، سأجلس ساعة أو ساعتين للقراءة وأطلب قارورة مياه معدنية أو غازية، كم سيكون سعرها؟ أيًا كان سعرها!
أمر من بوابة الدخول، يكتشف العاملون من مشيتي ونظرتي أن هذه هي زيارتي الأولى للمكان، يعترضون طريقي، أهدئ بابتسامة استقبالهم البارد، يأخذني أحدهم بتثاقل إلى طابق سفلي يضم مدرجين مرصعين بمناضد بهيجة ومقاعد رقيقة تشرف على البحر. جئت إلى هذا المقهى طالبا القراءة، لابد أن القراءة هنا أفضل، عسى أن تأتي الأفكار هنا والخيالات والتأملات.
حاولت جاهدا أن أطرد من ذهني تجارب سابقة خالفت فيها الأماكن المبهرة ظني. واحدة من تلك الخيبات كانت في باريس قبل عشر سنوات حين لبيت الشوق بزيارة "الحي اللاتيني" لأتناول القهوة واستمطر الوحي كما كان يفعل مفكرو بلادي في منتصف القرن العشرين. دفعت في تلك المقاهي أسعارا مضاعفة وشربت أسوأ قهوة ولم أتدبر شيئا، ولم تهبط علىَّ فكرة واحدة، كنت أنظر في سماء الحي اللاتيني ولا أرى شيئا. 
لابد أن الأمر مختلف هنا في سان جيوفاني، كل المؤشرات تنطق بالخير، الشمس مبهجة، ها هو الخليج متألق منذ تم ترويضه بمنشئات هندسية ناجحة جعلت من الموقع مثالا لساحل "هاف مون"، حيث يشكل البلاج وما به من كبائن المصطافين نصف الدائرة بينما "كوبري ستانلي" (الجسر الخرساني الذي أنشئ في عرض البحر) يمثل قطرا عموديا بين البر والبر، هكذا تم حل مشكلة مرورية شاقة في الإسكندرية: الداخل إلى المدينة يأخذ طريق الساحل المقوس نصف الدائري والخارج منها يأخذ طريق الجسر. كم جميل أيضا أن هذا العمل الهندسي الحديث استلهم طرزا معمارية من أبراج قصر الملك فاروق في المنتزه ! 
على أصوات أمواج البحر المتلاطم مع الأعمدة المعدنية التي تحمل الجسر أهمُّ بالجلوس على طاولة أعجبتني فيسرع إلىَّ نادل في المقهى ليطلب مني الانتقال إلى الجهة الأخرى لأن جلسة تصوير سينمائي حجزت هذا الصف بأسره.
أنتقل إلى الجهة الأخرى، على طاولة لفردين أفتح أوراقي، لكن جلسة التصوير تبدأ أمام عيني: يجرى عامل مجهول نحيف يحمل لافتة بلاسيتيكية كانت في الماضي من الخشب يطرقع بها صوتا مشهورا ويقول: كلاكيت ثاني مرة. ألمح بصعوبة اسم الفيلم على لوحته: "عمر خريستو".
ثلاثون شابا بين حامل للكاميرا وأجهزة الصوت ومصابيح الإضاءة الاصطناعية (رغم أن الشمس في كبد السماء) يتحلقون لتصوير مشهد واحد قصير.
على مدار الساعة أعيدت مرات ومرات محاولات تصوير مشهد لشاب وفتاة على طاولة في المقهي يدور بينهما حوار فيتخاصمان ثم يتصالحان وينتهي بأن يمسك الشاب يدها، أخذنا نصف ساعة نعيد الجزء الذي يمسك فيه يدها، نجحت آخر محاولة بعد أن طلب المخرج أن تأتي أخصائية الماكياج لتضع مزيدا من البودرة على يد الفتاة لتبدو أكثر نضارة في الكاميرا. 
يجري الثلاثون شابا حول المخرج كخلية نحل، لا ينتظر أحد منهم أن يوجه له المخرج أمرا، كل يعرف دوره ويتكاملون في العمل ، تعجبني الكاميرا المحمولة على قضيب قطار صغير تروح وتجئ في المكان لتصوره من عدة زوايا. 
مر الوقت ولم أقرأ شيئا، أفكر في السينما والتصوير والتمثيل، وفي فريق العمل المتناغم، آهٍ لو كان القسم العلمي الذي أعمل فيه في الجامعة يعمل كهذا الفريق!
يغادر المصورون والمخرج والممثلون، أستبشر خيرا بقرب قدوم الفكرة ، أحاول أن أعود للقراءة ، أفشل فشلا ذريعا، أخذوا معهم روح المكان.
ألقي نظرة وداع على الساحل والبلاج، أغادر المدينة ولا تغادرني، تحضرني مشاهد متفرقة من فيلم "إسكندرية ليه"، حين مزج يوسف شاهين ببراعة صورا وثائقية لساحل ستانلي مع أفلام تسجيلية لهتلر .
كان هتلر يخطب في حشود الشعب الألماني الذي كانت قواته على مسافة 100 كم من المدينة في صحراء مصر الغربية، يقف هتلر منتصب الصدر، يلوح بقبضته في الهواء، ويهز رأسه يمنة ويسرة كمتيم في العشق الإلهي ويصرخ في الجموع : "الإسكندرية مدينتي" !

على مقهى في الحضرة

الحياة مزدحمة بشكل ساخر، فما بين مترٍ ومترٍ عوالم متوازية لا يهتم أي منها بالآخر. عشرات الجالسين يملأون الهواء دخانا وضجيجا. يروح النادل ويجئ بيننا، يحمل في كل مرة نرجيلة، يحتفظ لنفسه بسلطة حصرية تمنحه أولى الأنفاس الطازجة. يستلم الزبون نرجيلته متوهما أن شفاهه هي أول من لمس أنيسته الوديعة، ينفخ صاحبنا في الهواء دخانا متغطرسا لانتصار زائف، مخادعا نفسه بأنه الأول في حياتها ...ولا أحد قبله! 
نعطي ظهورنا لثلاثة مستشفيات تضج بالداخلين والخارجين ما بين موتٍ عاجل وموتٍ مؤجل، نتغافل عنهم وعن آلامهم ونتجب النظر لوجوه ذويهم الحيارى، أبدل مقعدي حتى لا أرى لافتة باب الدخول لأقرب مستشفى تواجهني: "المواساة". نجلس في مجموعات ما بين الثلاثة والخمسة إلا أنا وهو، أجلس وحدي...ويجلس وحده، يفصل بيني وبينه شارع ضيق من الحى توزعت كراسى المقهى على جانبيه. 
كالمُراقِب الذي يراقب المراقِبين رهنت نفسي على التطلع إليه، ها هو ينظر بعين تستقبل الرحيل، تنظر طويلا من البحر إلى البحر، تودع خلفها سبعة عقود من الزمن. 
تُرى..فيما يفكر؟ هل يشعر بالرضا، الأسى، الندم..؟. ..أما زال هناك ما يتمنى فعله، هل عنده حلم يحتاج إلى سلفة جديدة من الحياة؟ 
أغادر مكاني لأتجول في المدينة، أبحث عن عناوين الشوارع على الجدران فلا أجدها، هذه بلادي تحب التمويه وتستمرئ الفوضى ويحب ناسها السؤال الشفهي.
أفتح خريطة على حاسوبي الصغير فارى عشرات من أسماء الشوارع التي لم تكتب علىى الجدران والبيوت: المعتمد، الواثق، المقتدر، نظام الملك، الطوسي، الجرجاني، الواقدي. عجبا ..من ذا الذي جاء بفارس والعراق إلى الإسكندرية؟
أنزل من بقايا التل المرتفع في الحضرة بحري إلى بطن المدينة، تلك الشوارع تتبدل أسماؤها بتغير السادة في كل مرة، أين ذهبت هنا الشوارع التي كانت ملء السمع والبصر في منتصف القرن الماضي: السلطان حسين كامل، فؤاد الأول، الأمير ابراهيم.
من الحضرة إلى الإبراهيمية ومن الأخيرة إلى وسط المدينة أتنقل متسائلا: ماذا بقي وماذا حذف من الفترتين الاستعمارية والملكية: الأزاريطة (والتي تعني بالفرنسية معسكر الحجر الصحي) كامب سيزار (والمحرفة في النطق الحالي إلى "شيزار")، سان ستيافانو (الفندق الأسطوري الذي اختفى وحل محله برج معولم وفندق لطلعت مصطفى).
أصل إلى المنشية فأجدني أمام قطعة من أوروبا داهمها النمو السكاني والأسواق التجارية لسلع صينية رخيصة . تجتهد المنشية كي لا تصدق أن اسمها قريب من أي محلة عمرانية في الصعيد (المنشأة) تقاوم حتى تؤكد لزائرها بقصورها ومبانيها أنها تحمل اسم المعماري الإيطالي فرانشيسكو "مونشي".
تأخذني المدينة بين ذراعيها، أؤمن للمرة الأولى أن المكان كتاب وصفحات، وفي الصفحات سطور وحروف، وبين الحروف حياة وموت وبعث. 
أعود إلى سكني، أفتح حاسوبي، ينطلق صوت عبقري يتلو قصيدة لنزار قباني كنت قد توقفت في منتصفها ليلة أمس: ما بين حُبٍ وحُبٍ ..أحبك أنت !

قصة قصيرة

من بين مشاهد مزركشة في سنوات الطفولة تفتحت مسام عقلي ونوافذ روحي على حلقات المدائح النبوية. كانت أمي صغيرة السن تأخذني إلى تلك الفوضى المنظمة بحجة دس البهجة في نفسي.
مرة تلو مرة، لاحظتُ أن حجتها لا تصمد دوما، فوقارها المختبئ خلف صلابة عودها وسمو قامتها كانت تفضحه عيناها البراقتان وتشي به حمرة الدهشة في وجنتيها السمراوين. 
صوت المنشد يتلألأ في سماء القرية الغارقة في الظلام إلا من مصابيح زيتية على جانبي خشبة مسرح شُدت من جذوع شجر طري، وزُينت بستائر مبرقشة كما لو كنا في يوم عيد.
ثلاثة عازفين يتصدرهم صاحب الناي يجلسون خلف مُنشد يرنو إلى نجوم السماء مستمدا منها حلاوة الصوت ووحي الكلمات. كنتُ أخاله مَلَكا هبط على الأرض، يغمض عينيه ويهز رأسه يمنة ويسرة مع مديح شمائل المصطفى، يتمايل مع أمنيات شبه مستحيلة بزيارة البيت الحرام، تغزو صوته الرخيم مسحة من شجن وألم وحنين حين تتوالى أبياته راقصة باحتشام: 
أول ما كتب القلم كتب القلم الله
وكمل السطر بمحمد رسول الله
قال هو حبيبي ومحبوبي هو خير خلق الله
واللي يصلي على الحبيب النبي يافرحته ياهناه
واللي هاتعمله النهاردة بكرة أمام الكريم تلقاه
يصطف رجال القرية أمام خشبة المسرح في صفين، يتمايلون في تناغم واتفاق كما لو كانوا أمضوا عمرا يجهزون أبدانهم ويحضرون أفئدتهم لهذه الليلة الموعودة، تتصاعد وتيرة رقصهم، تفوح منهم رائحة عرق فتمتزج مع أعواد البخور المنتشرة قرب المسرح. يترك عازف الناي مقعده فيتقدم بثقة واقتدار خطوتين إلى الأمام مشاركا المنشد دور البطولة؛ بنصف عين ماكرة يتجاهل المنشد منافسه البارع فيتظاهر بالانشغال عنه متوحدا مع ذاته وجلال أبياته.
تطل السماء علينا، تتوقف الأرض إلا من هدير أصوات الصفين المتقابلين المرهونين بجلجلة المنشد وألاعيب الناي. أشب على قدماي أكاد أقفز من مكاني، لما لا أطير فأرى المشهد من علٍ، الزحام جدار من بشر، أطلب باكيا من أمي أن ترفعني فوق رؤوس الأشهاد. 
ولأن الطامعين دوما يفقدون ما في أيديهم إن طلبوا المزيد، ترفض هي طلبي، تشدني للانصراف قافلين إلى البيت، أتسمر في الأرض، أرجوها أن تبقى قليلا. 
مشدودا من ذراعي الأيسر أسير معها وقدماي تنخلعان من الأرض انخلاعا، أترك لها صدري ونصف جسدي واتطلع برأسي ونصفي الآخر إلى الخلف فتتابع عيناي من بين ثغرة في الزحام أولئك الرجال الأشداء الذين يتساقطون واحدا تلو الآخر دون أن يهرع أحد لنجدتهم.
أربعون عاما تمر بين وقفتي الأولى ووقفتي الثانية هنا في حلقة الذكر عند سيدي عبد الرحيم القناوي. بين زحام الراقصين والمنشدين والعازفين والنساء والأطفال مددت يدي أبحث عن يدها فلم أجدها، لما لا تشدني إلى البيت؟ 
غادرت الصفوف والحضور وتركت الزمان والمكان، همت على وجهي أفتش في وجوه المدينة، في شرق السكة الحديد وغربها، لم أكن لأخطئها، دليلي عيناها البراقتان تناديان بصوت صامت : تعالى. 
كم عام وأنا أبحث عنها، منذ رحيلها لم تعد الفوضى منظمة، قلبت الفوضى كل شىء رأسا على عقب. جردتني السماء من بركتها، نفد الصبر الإلهي على قبح أفعالي. ضاعت بوصلتي منذ توقف دعائها السحري: "ربنا يحبب فيك خلقه". 
كيف تفقد الألوان بهجتها؟ من ذاك الذي سرق من القاموس معنى المزركش والمبرقش؟!.

فاكهة البلاد الجنوبية

هذا هو فبراير من عام 1998، مضى شهران منذ وصلت هذه المدينة المقطوعة في كتلة من الجليد. لم أرَ في "سان بطرسبرغ" شمسا، أرفع رأسي كل صباح مناديا السماء دون استجابة: قليل من الشمس هنا يا إلهي! 
تعجبتُ ..لماذا تحتاج جهنم إلى حمم ولهيب؟ يكفي من العذاب زمهرير هذه المدينة. 
لساني ثقيل في فمي، لا من برد بل من عجز عن تعلم لغة لا تشبه لغتي، الحروف منحبسة في حلقي لا تجمع كلمة مفيدة. أعيش بالإشارة، أتعبت البائع في المتجر القريب من سكني الجامعي، في أول أيامي كنت حين أشترى بيضا انتزع ورقة من دفتر تدريبات قواعد اللغة لأرسم له دجاجة تضع بيضها، حين أريد سلعة أشير بيدي على الأصناف المعلقة على الأرفف مرددا بحروف طفل يتعلم الكلام "إيتا ...ني إيتا...إيتا" (هذا....ليس هذا...بل ذاك)، أطلب منه بطاطس فيعطيني بطاقة اشتراك في المواصلات العامة (لم أكن قد ميزت بعد بين كلمتي "كارتتشكا" و "كارتوشكا").
استسلمت أخيرا لنصيحة فيكتور أليكسندروفيتش مدير قسم الطلاب الوافدين في الجامعة الذي نصحني قائلا: "ليس أمامك سوى أن تتخذ رفيقة من فتيات بلادنا، ستسقيك اللغة صباح مساء، ومعها تنحل عقدة لسانك، أو أن تسكن مع عائلة تؤجر غرفة في منزلها، وهناك تشاركهم حياتهم وتعرف لغتهم". 
على هذا النحو، تركت السكن الجامعي ونقلت كتبي وأوراقي إلى غرفة استأجرتها في بيت عائلة السيدة جالينا نيكالايفنا. تطل غرفتي على زقاق ضيق متصل بشارع "ماراتا" المنتهي بدوره إلى الشارع الكبير "نيفسكي براسبيكت"، البيت هنا غير بعيد عن موقف الترام رقم 7 الذي يوصلني للجامعة في غضون 20 دقيقة. 
تبدو جالينا طيبة كريمة رغم شرودها، استهلت أول يوم في معيشتي في بيتها قائلة "يمكنك أن تناديني "جاليا"، كل شىء في البيت رهن تصرفك، الجالس هناك في المطبخ ابني سيرجيه...أرجو ألا تنزعج من غرابة أطواره وجفاء سلوكه هذه الأيام، لقد استدعوه للتجنيد هذا الشهر، أظنك تتابع الحرب في الشيشان...كثير من رفقاء سيرجيه ممن سبقوه إلى هناك إما وقعوا في الأسر أو لقوا حتفهم في الكمائن التي نُصبت لهم في جروزني.. قلبي يحدثني أنه إن ذهب لن يعود".
منذ رحيل سيرجيه إلى الشيشان الأسبوع الماضي وجاليا حبيسة غرفتها لا أسمع لها صوتا. بدأ الجيران يتوافدون للتخفيف عنها، جلبوا معهم أصنافا من طعام وشراب وفاكهة. يعرف من عاش في هذه البلاد أن أغلى هدية يمكن أن يجلبها ضيف إلى بيت روسي شتاءً هي فاكهة البلاد الجنوبية. تبدو هذه الفاكهة على المائدة رُسلا من الفردوس وثمارا من الجنة.
دعتني جاليا لمشاركتهم الجلوس في المطبخ: قدس أقداس البيت الروسي. المطبخ هو ذاته غرفة طعام، وهو ملتقى الحديث حول المدفئة، وهو التئام شمل الأصدقاء. رأيت في مطبخ جاليا السَّماور الذي تعلمنا اسمه ورسمه في دروس اللغة بالجامعة، ذلك الإناء المعدني الذي يحتفظ دوما بالماء المغلي لإعداد الشاي. 
بعد أن تكررت الزيارات إلينا لمواساة جاليا دعاني الجيران لمشاركتهم حفلا عائليا في الطابق العلوي. ما إن صعدت مع جاليا إلا وتبارى الجميع لإسعادها غناءً ورقصًا وعزفـًا على البالالايكا. 
يوما بعد يوم اعتدت على الحياة في بيت جاليا، كان كل شىء هنا لطيفا مرتبا. صحيح أن البيت كئيب بما يليق برطوبة الطابق الأرضي وبحزن امرأة تجاوزت الستين، إلا أن الأمر لم يخل من بعض أسباب حياة. 
في أمسيات الشتاء ومطلع الربيع لم يكن في قدس الأقداس سوانا، كانت تحكي وتحكي وتحكي، هي على يقين أن لغتي البدائية لا تسعفني كي أفهم كثيرا مما تبوح به ذكرياتها، لكنها مع ذلك كانت تروي تفاصيل مدهشة.
كنت أهز رأسي وكأنني أفهم كل ما تقول، وحين كنت أبتسم أو أرسم على وجهي كذبا علامات اهتمام بذكرياتها يغمرها فرح طفولي وتجدد أكواب الشاي الطازج من السماور وتستبدل أطباقا صغيرة بأخرى من مربى التوت البري الأحمر الذي كانت قد جهزته الصيف الماضي. 
في نهاية الأشهر الست تحسنت لغتي وحان وقت عودتي للسكن الجامعي. انقطعت أخبار سيرجيه منذ الشهر الماضي، شاشات التلفاز تعرض لقطات من الحرب الدائرة في القوقاز فيزداد رعب الناس في البيوت، جروزني تتحول إلى حمام دماء ومدينة أشباح والجثث في كل مكان. 
لاحظت في آخر يومين أن جاليا توقفت عن الكلام معي، بدأت تطيل النظر في صورة معلقة فوق تلفاز معطوب قرب النافذة. الصورة بتاريخ أبريل 1941 لشاب وسيم ممشوق في زي عسكري. 
ليتني ما سألتها عن صاحب الصورة! 
عادت جاليا تسترجع الذكريات، لاحظتُ أنها تخلط في حديثها بين اسم أخيها صاحب الصورة واسم ابنها الغائب في الشيشان، قالت وعيناها شاخصة إلى الجدار:
"هذا بافل قبل فترة قصيرة من حصار الجيش النازي لمدينتنا قبل 56 عاما، كنت وقتها طفلة في السابعة. آخر مرة رأيت فيها بافل كنت أقف مع أخوتي الثلاثة خلف أمي في الممر الذي تدير له ظهرك الآن. كادت المدينة تسقط ليلتها يا ولدي، القتلى في كل مكان، الجوعى يموتون كل يوم، كان الجحيم ثلاثيا: ثلوج ونيران ومجاعة. جاء بافل يقف عند الباب يطلب من أمي دفئا وطعاما وراحة لبضع ساعات. حالت أمي بينه وبين الدخول، سدت بذراعيها الباب قائلة: أتريدهم أن يقتلوا أخوتك في هذا البيت، لقد مر علينا رجال الحزب وحذرونا، قالوا لو خبئتم جنديا عائدا من الجبهة فالإعدام مصيركم جميعا، أنت تعرفهم، قتلوا كل من في البيت المقابل حين استراح عندهم ابنهم الأسبوع الماضي. قبَّلَت أمي يداه مرتين وقالت له عُد من حيث أتيت يا بافل، ارحم أخوتك الصغار. حين جاء الصباح، فتحت أمي الباب سعيا وراء طعام يسد جوع بطوننا، لكنها صرخت عند الباب صرخة الموت، كان بافل قد سقط بين يديها جثة متجمدة داخل الممر، لم يكن قد عاد إلى خط النار، ظل طيلة الليل واقفا بالباب حتى تسمَّر ميتا في مكانه ".
لملمتُ أوراقي وكتبي عائدا إلى سكني في الجامعة، كان هذا آخر ما سمعتُ في هذا البيت تلك الليلة، مشيتُ على مهل في الممر ، تلمستُ برفق الباب الذي مات عنده بافل...لم أجرؤ على النظر خلفي لأرى جاليا... 
خرجت من البيت، لم أكن أنا ذلك الفتى الذي جاء هنا قبل نصف عام، مشيتُ على غير هدى، ركبت الترام رقم 7.

أنزلي الستائر علينا

لا أذكر كم مرة سافرت بطائرة هنا وهناك. في كل المرات كنت من ركاب الدرجة الثانية، تلك التي يسمونها تأدبا الدرجة "الاقتصادية". تتعلق عيناي دوما بتلك الستائر التي سرعان ما تنزل حجابا بيننا وبين ركاب درجة "رجال الأعمال". لماذا يعطونها ذاك الاسم وركابها من الفنانين والسياسيين والأثرياء؟ لم أكن مهتما بالتفرقة بين الأثرياء الشرفاء وغير الشرفاء، هل تربيت على أن الأثرياء دوما ورثة مال الدولة والقطاع العام؟ 
ماذا يدور في الدرجة الأولى؟ هل يجلس معهم كابتن الطائرة؟ هل تغازلهم المضيفات وتتودد إليهم!؟ لماذا يفرقون بيننا؟ لو سقطت الطائرة ألن نكون شركاء في الموت جميعا؟! 
في تلك المرات التي ينسى فيها المضيفون إغلاق الستائر وأرى بعضا مما يحدث في عالم الدرجة الأولى أكاد كالمخبول أنادي عليهم: افتحوا الستائر ...قولوا للكابتن يأتي إلينا ويتحدث معنا أيضا، نريد مضيفات مبتسمات جميلات مثلهم، الطائرة لم تتحرك بعد وتعطونا قطعة حلوى بلاستيكية بعشرة قروش بحجم عقلة الأصبع بينما تخيرونهم بين حلويات من الشرق والغرب مع فنجان قهوة! أين العدل في هذه الطائرة!؟
مرتان فقط دبر لي القدر أن أجد نفسي في الدرجة الأولى. في أول مرة صرت أضحوكة "رجال الأعمال" لأني كنت أنظر بين الحين والآخر إلى الخلف لتعتذر نظراتي إلى مئات من رفقاء الدرب من أناس لا أعرفهم لكني كنت أجلس معهم في رحلاتي السابقة. حتى الأطعمة والأشربة كنت مترددا في تناولها، نزلت في بطني سما زعاقا لأن رفقاء الدرب في الخلف لم يحصلوا على شىء مثلي.
في المرة الثانية صار الموقف أكثر هدوءا، بدأت أنظر في وجوه من حولي: ما أجمل ركاب رجال الأعمال! يالهم من أناس محترمين عليهم طلة بهية تفيض ملامحهم أصالة وعراقة. رأيت ملامح الذكاء والشطارة في أعينهم. كم كنت مخطئا حين ظننتهم أثرياء بلهاء أو فاسدون ورثوا مال الشعب. أنا معهم الآن، لابد أنني ذكي مثلهم، لو لم أكن تعبت وعرقت ونجحت لم أكن لأجلس بينهم، أنا منهم..أنا معهم.. وبهم. 
ما أجمل الشعور بالقوة، ها هو الكابتن يلقي علينا تحية الصباح ويرحب بنا بنفسه، صحيح أنه سلم شخصيا على السيد الوزير وعلى الفنان محمود عبد العزيز والمغنية اللبنانية التي مالت بكتفها الأيمن تجاهه فكشفت عما لا يجب، وربما ما يجب، كشفه؛ لكن لا بأس ..هذه المرة نظر إلىّ من بعيد وقال رحلة سعيدة..المرة القادمة سيسلم عليّ..هي مسألة وقت...مسألة وقت.
تابعت بابتسامة كلها ثقة المضيفات الشابات وهن يتحركن بيننا، بينما تنسحب المضيفات اللائي تجاوزن الأربعين إلى الدرجة الثانية في هدوء. 
في هذا الكرسي الأثير الوثير المثير أجلس وحدي لا يزاحمني أحد بكتفه، أتطلع من نافذة طائرة وحدي..هذا العالم لي دون سواي، ها أنا على مقربة من القيادة الحكيمة للطائرة، ينتظرني مستقبل مشرق مع كبار القوم من رجال الأعمال. كلها مسألة وقت. مسألة وقت.
لا داعي للأسئلة الخائبة التي تطارد عقلي، أنا هنا لأنني أستحق ..أنا الأكثر ذكاء ..أنا من كافحت وتخطيت هؤلاء الذين يجلسون في المقاعد الخلفية ..أولئك الذين يصدرون أصواتا شعبوية أسمعها، للأسف، من حين لآخر.
بعض الجهلاء من ركاب الدرجة الخلفية يتهكم على الكابتن وسوء قيادته للطائرة. هؤلاء العوام في الخلف يعترضون لمجرد الاعتراض ..هم لا يعرفون قدر التحديات التي تحيط بنا..وبالكابتن، عواصف ورياح غير مواتية..ثلوج ومطبات هوائية ...لو كانوا ينشغلون بما هو مفيد..لو كانوا يصمتون أو يصلون لربهم كي نصل بأمان.
لماذا يتسع العالم لكل هؤلاء الحمقى في الدرجة الخلفية؟ ما هي حكمة خالقهم في وجودهم في حياتنا؟ الكابتن في حاجة إلى تركيز وهدوء، ونحن في الدرجة الأولى في حاجة أيضا إلى راحة من تعب....لقد جلسنا هنا لأننا تعبنا أكثر..نحن الأكثر ذكاء وشطارة..لا أنكر أن من في الخلف تعبوا أيضا مثلنا...لكنه تعب الحمير والبغال....نحن تعبنا تعب الصقور والنسور...وشتان بين السماء والأرض!.
حين جاءت واحدة من المضيفات من الخلف إلينا غفلت عن دون قصد في إنزال الستار الحاجب بيننا، فصعرت لها خدي وقلت لها بلهجة آمرة، كما لو أن أمي ولدتني في الدرجة الأولى: ما هذا ؟!....أنزلي الستائر علينا من فضلك!

لا أذكر في أي مدينة تونسية قابلته؟ مضى على ذلك أكثر من عشر سنوات. هل كانت "بنزرت"؟... ألم تكن "طبرقة" !؟ بلى بلى ..تذكرت، كنت قد أمضيت ليلتي السابقة في "عين دراهم" على الحدود الجزائرية، لا يمكن إذا إلا أن تكون طبرقة.
لكن..هل التقيته حقا في مدينة!؟ كل ما أذكره أنني مسافر منذ أسبوعين من الجنوب الصحراوي الملحي إلى الشمال الساحلي. تداخلت في ذاكرتي المشاهد وازدحمت. ولم لا؟ لم أكن قد تعلمت حينها نصيحة باولو كويلو:"لا تحاول أن ترى العالم في أسبوع". 
كل ما أذكره أن مقعدي كان خلف مقعده في تلك الحافلة الصغيرة التي نسميها ميكروباص ويسمونها في تونس "لواج". 
هل أذكر ملامحه؟! كل ما في عقلي صورة غائمة يجلس فيها في قميص سماوي وبنطال أزرق. 
أتذكر نصفه الأيمن فقط، لم أكن أرى من خلف المقعد سوى نصفه الأيمن ...وثلاثة أرباع رأسه. 
كنت أنظر مليا في رأسه مستغلا فارق الطول لصالحي، تأملت الاستعمار الواثق الذي حققته وفود الشعر الأبيض، كانت متجبرة تعرف أن القدر معها والمستقبل لها. 
من شرفة الحافلة كنت أتابع جيوش حدائق الزيتون في بطون الوديان بين الجبال. تذكرت عمليات الإعدام التي شاهدتها بعيني قبل ثلاثة عقود في الساحل التلالي الأبيض الممتد من الإسكندرية إلى مطروح، حين جاءت جرافات أزالت الغابات وخدعت البدو بتعويضات أزاغت أبصارهم وزرعت مكان حدائقهم غابات أسمنتية لمنتجعات سياحية يسكنها الأثرياء بضعة أيام في السنة، وتبقى بقية العام مدن أشباح، الأشباح طردت الزيتون والليمون والتفاح. حتى الآثار الرومانية اختفت دون مراقبة من أحد تحت أسنان الجرافات وتراب الحفر والردم. 
أيام قليلة وأغادر تونس "الخضراء" ..لم تشبع عيناي بعد من الغابة، لم يتبق في بلادي سوى غابة واحدة ...هناك في جبل علبة، بعيدا أسفل مدار السرطان على البحر الأحمر.
في منتصف الطريق توقف اللواج لاستراحة. لا أطيق البقاء في الحافلة، لما لا أغادرها طالبا التسكع في هواء طلق وإفاقة بمشروب ساخن بعد ساعات من سفر مجهد؟ ماذا انتابني؟ هل رهنت قراري بقراره؟ ها هو متسمر في مقعده، انصرف الجميع وبقيت في مكاني خلف مقعده. استجمعت أنفاسي مترقبا صمته، وبهدوء أطلقت على الصمت رصاصتي، أخبرته باسمي وبلدي وما جاء بي هنا ...وتعارفنا.
خلافا لظني ترك نفسه يتكلم، عرفت أنه جزائري فر من قريته الجبلية إلى فرنسا خلال الحرب الأهلية. محطات شقاء عدة كانت في انتظاره في بلاد المفر، حتى نجح أخيرا في أن يعمل في مدرسة بضاحية قرب باريس جليسا في فصل لرعاية أطفال ذوي احتياجات عقلية خاصة.
كان يريد أن يحكي عن كل شئ: عن حب مشرد، عن الجزائر، الحرب، فرنسا، كان مشتتا في حديثه بين الجزائر وتونس، سألني إن كنت تابعت في كل المدن التي مررنا عليها الصور الجدارية الضخمة لزين العابدين بن علي، تلك التي تنظر فيها عيناه إلينا ..تطاردنا وتقول لنا "إني أراكم كما يراكم الله". 
شردت منه برهة...كنت أحلم بيوم أسافر فيه إلى جبال بلاده، الجبال التونسية هنا لا ترضي خيالي، كنت أود أن أجد في بلاده اختبارا لما يقوله أنصار الحتم البيئي زاعمين أن سكان الجبال أكثر حبا للحرية، وأصحاب قابلية للتنوع وقبول الاختلاف، ولديهم حس أصيل للإبداع واحتضان الثراء الإنساني مقارنة بغيرهم من سكان السهول.هل حقا لدى سكان السهول والصحاري رؤية أحادية؟ وعوز في الأفكار؟ هل حقا يبدو العالم في بلد مثل بلدي مسطحا؟ هل ذلك مسؤول عن شح مواهب الرسم وضعف مهارات العزف الموسيقي. 
لماذا نضرب في دروس الحتم البيئي الخلاق سويسرا مثلا دون غيرها ، لابد أن الجزائر كذلك. لكن حديث هذا الرجل عن القتل والذبح والتشريد يذهب بفكرتي سدى؟! سقط من قبل الحتم البيئي المبدع في جبال لبنان، وها هو يخبرني عن فشله في الجزائر، وسيفشل في المستقبل في سوريا وأفغانستان والعراق كما فشل من قبل في اليمن....قاتل الله الجغرافيين! 
انتزعني من شرودي حين سألني مرتين: هل تسمعني؟! منتفضا عدت إلى حديثه. لم تكن نصف ساعة تلك التي سمعته فيها ..ربما كان عمرا لاثنين اعتادا أن يبوح أحدهما وينصت الآخر، لماذا يبوح لي الناس من أول لقاء؟!..لما أنا ..كيف لي أن أتحمل كل هذا البوح؟!.
من نافذة اللواج لمحت كيف بدأ الركاب يستعدون لمغادرة أماكنهم عائدين إلينا، وقد ظهرت عليهم من بعيد بعض علامات نشاط وإفاقة. 
قبل أن أفقده في زحمة الرحلة سألته بذلك الشغف الذي يسوق صحفي مبتدئ، وباحث نزق، ومدرس جامعي منعزل: أي مكان تعده وطنك سيدي؟ 
أطلق ضحكة مكلومة جمع فيها السخرية مع الألم وتساءل دون أن ينظر إليَّ: وطني؟!! 
ثم قام فجأة واستدار ناحيتي بطريقة أخافتني قبل أن يمد يديه ويمسك مقعده، يكاد يخلعه من حديده، هاتفا كالمسحور: "ربما كان هذا وطني.... وطني لا مستقر له...لا أعرف لوطني وطنا".
اغتال الركاب عالمنا، قتلوا صمتنا، وتعالت بالتدريج أحاديثهم التي دنست ما كان قبل قليل بوح في صلاة اعتراف.
عاد اللواج يكمل طريقه منطلقا إلى المدينة التي لا أذكرها. ..هل كانت بنزرت؟! لا لا ..كانت طبرقة!! 
هذا المقعد وطني !..فشلت كل القواميس في أن تقرب العبارة إلى عقلي، حين أعياني التفكير عدت إلى ما كنت قد شغلت به نفسي قبل أن أتعرف عليه، إلى الأخضر الداكن للغابات التي تحيط بالطريق، إلى ثلاثة أرباع رأسه من خلف المقعد حيث الشعر الأبيض يستوطن متجبرا مساكن الشعر الأسود ويطرده من وطنه.

ضاعت في موسكو ووجدتها في المنيا

تاتيانا Татья́на اسم تحمله ملايين النساء في روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، يعود نسب الاسم إلى قديسة مسيحية استشهدت إثر التعذيب الروماني كي تترك المسيحية خلال القرن الثالث الميلادي (قبل أن تعتنق روما المسيحية لاحقا). 
في الإطار النظري (وليس بالضرورة في الحياة العملية) تأمل الفتاة التي تحمل هذا النوع من الاسم في حياة قائمة على شقين: استلهام الرعاية الدينية من هذه القديسة أو تلك، وفي نفس الوقت ملازمة المواساة والصبر في مواجهة مشاق ومصاعب الحياة الروسية القاسية.
بعد فترة من العمل المشترك في شؤون بلدينا، سمحت لي تاتيانا أن أناديها باسمها المختصر "تانيا". كنت ألتقى تانيا في أحد أبنية الوزارات الروسية الشهيرة في موسكو، حيث نجلس في صفين متقابلين مع وفود بلدينا. 
كنا نتدخل بلطف وهدوء في الوقت المناسب لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، أو لتصويب ترجمة بند في الاتفاقية، أو لحث الطرفين على مخاطبة الجهات التنفيذية لتحويل الطموحات المدونة على الورق إلى عمل حقيقي على الأرض. 
مواقف طريفة ولا منطقية كانت تحدث خلال العمل مع العقلين الإداريين المصري والروسي (وبين العقلين تشابه في أمور كثيرة..ويبدو أن البيروقراطية المصرية الحديثة تعلمت في المدرسة السوفيتية..ويبدو أن العقل الروسي به جذور شرقية بالغة العمق). 
ولأني أيضا أحمل من اسمي نصيب، كانت التصرفات اللامنطقية تصيبني أحيانا بالدهشة التي تستغرقني فأظل أتمتم في سري بكلمات غير مفهومة كمن أصابه مس من جن . بعد انتهاء اللقاءات كانت تأتي تانيا لتهون عليّ وتخفف من إحباطي بأمثلة وحكم من الحياة الروسية أو من الثقافة الغربية. 
لا أنسى ذات مرة قالت لي: "بدلا من أن يصيبك الوهن ويمتعض لون وجهك وتسبب لنا في كل مرة حرجا ..ابتسم واحمد الرب". ولما قلت لها بتعجب ساذج "أحمد الرب على ماذا؟" قالت " ياعزيزي.. ابتسم وقل في نفسك الحمد لله الذي لم يخلقني مثلهم".
صحيح أني أعرف أن تانيا مثقفة من نوع فريد، زاوجت بين الثقافة الروسية والاطلاع على المصادر الأوربية، مما جعل هذه الوزارة المهمة تعتمد عليها في شؤونها الدولية، لكن حدسي كان يقول لي دوما إن هذه الحكمة ليست غريبة على أذني، وقد جاهدت لأتذكر أين سمعتها أول مرة ...لكني فشلت.
الأسبوع الماضي تشرفت بالجلوس في لقاء تعارف ودود على ضفة النيل الغربية مع عدد من الشباب المُشرِق (والُمشَّرف أيضا) في جامعة المنيا، وقد هداني الله فجلست إلى جوار د. أحمد حلمي مدرس الأدب والبلاغة في الجامعة. بذكاء ملحوظ يعرف أحمد حلمي أن كرم الضيافة لابد أن يبدأ بحديث شيق مفيد. ومن ثم فقد عاجلنا بأمثلة طريفة من نوادر الأدب العربي، وكان من بينها نادرة في تأويل ما نسمعه من كلام.. ظاهره معنى وباطنه مغزى مغاير وغير متوقع. وحين سألته عن مصدر تلك النادرة أخبرني أنها وغيرها كثير في كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين " لابن الجوزي. 
في طريق العودة بالقطار للقاهرة فتحت حاسوبي الصغير ودلفت إلى الانترنت وحصلت على نسحة مجانية، لم أقرأ في الكتاب سوى أول صفحتين ثم توقفت، إذ وجدت العبارة التي تاهت مني في موسكو. فابن الجوزي - كي يدلل على الهدف من تدوينه هذا الكتاب الساخر الذي قد يظن البعض أنه فكاهة ومضيعة للوقت – يقول إن الاطلاع على أحوال هؤلاء تجعلك تبادر إلى أن تقول "الحمد لله الذي لم يخلقني مثلهم".
أجمل ما في الكتاب أنه لا يتكلم عن الحمقى من عوام الناس، فهؤلاء معذورون، بل عن فئة أخرى لا يتوقع أن يصدر منها ذلك (انظر العنوان الفرعي في أول تعليق).
عذرا لأني أطلت عليك...
نهارك سعيد ..به قليل من الحمقى والمغفلين (لا تحلم بأن يكون يومك خاليا تماما منهم..هذا وهم كبير ..كن واقعيا ياعزيزي)

بهريف

أنصحك ألا تصدق الجغرافيين دوما، فالأسماء التي يطلقونها على الأماكن أحيانا ما تحمل معنى مخالفا تماما للواقع، خذ مثلا جزيرة "جرينلاند" التي هي في الأصل صندوق من الثلج لا علاقة له من قريب أو بعيد بالأرض الخضراء، ورأس الرجاء الصالح التي هي رأس العواصف والأهواج التي تبتلع السفن، والمحيط "الهادئ" الذي هو في الحقيقة أحد أخطر المحيطات في العالم ..وهكذا.
على هذا النحو تجدني أفكر مرتين قبل أن أصدق معنى أسماء الأماكن، وكلما سمعت اسم مكان أتشكك في المعنى العكسي له، خاصة إذا كنت أسأل عن المكان أهله ومحبيه. وهذا ما حدث معي في زيارة بلدة "بهريف" في شمال أسوان (انظر أول تعليق). 
كان الله قد هداني عند خزان أسوان للتعرف على حسين الجعفري، وهو سليل قبائل عريقة هاجرت إلى أسوان قبل قرون طويلة من شبه الجزيرة العربية. لدى حسين سيارة أجرة، طلبت منه أن ينقلني إلى بهريف لزيارتها، وكانت المفاجأة السارة حين أخبرني أنه ولد فيها ويعرف تاريخها وأشجارها وثمارها. 
في الطريق إلى بهريف سألته: " ما معنى بهريف يا حسين؟" ودون تفكير أجاب "هي في الأًصل بهاء الريف..أي الريف الجميل البهي". أدرت وجهي إلى الجانب الآخر من الطريق متغافلا عن إجابة حسين ولم أعطها أهمية، فما الذي سيقوله أحد أبناء تلك البلدة سوى جمال وبهاء قريته؟ عزمت ان أبحث في قاموس محمد رمزي عن الاسم حين أعود للقاهرة. 
لكن ما إن دخلت بهريف وتجولت فيها حتى وجدتني أصدق حسين وأكاد اعتذر له عن انصراف وجهي عن إجابته، وعزمت أن أتكاسل عن البحث عن معنى الاسم ..فأيا ما كان أصل الاسم (مصري قديم أو قبطي أو عربي محرف) لن تكون هناك إجابة جغرافية تقابل الواقع بأصدق مما تراه عيناك.

خلال تجولك في صور بهريف المرفقة أرجو أن تلاحظ أنها لا تضم: رائحة أشجار الليمون، مزيكا الطيور والحيوانات، الحوارات الثنائية (التي تتأرجع صخبا وصمتا) بين الرياح وأغصان شجر المانجو، خرير مياه الترع الصغيرة و حراك طيور أبو قردان من حقل زراعي لآخر.

نهارك جميل ..كما في بهريف

تؤمرني بإيه يا كبير

أمام جامعة القاهرة يوجد حي صغير خطير اسمه بين السرايات..إن أردت أن تمسك بأهم جناة تدهور التعليم في هذه الجامعة فستجدهم هناك..على مرأى ومسمع من كل السلطات القانونية والتنفيذية. 
هنا يتحول العلم إلى برشامة للغيبوبة، وتصاب المناهج بمسخ، ويجد الفاسدون ضالتهم في إعداد الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه.
لكن جغرافيا التناقض والتقابل في مصر تبهرك دوما، فخلف الصفوف الأولى لهذا الحي يمكنك أن تجد روح شوارع بسيطة هادئة بعيدا عن أحبار الطباعة ورائحة الوجبات الطلابية السريعة. 
أكثر تلك الأماكن قربا لقلبي هنا تلك الممتدة بين شارع المرور والمركز القومي للبحوث، وهناك أتردد على مقهى "البرنس"، عادة قبيل المحاضرة الصباحية الأولى من يوم الثلاثاء. 
ما إن أجلس حتى يبادرني رجب القهوجي - الذي يعرف أنني سأطلب "شاي بحليب" - بسؤاله المعتاد: "تؤمرني بإيه يا كبير! ؟"
ورغم أنني أعرف أن رجب سيقول نفس العبارة لجلال العجلاتي، وحسن موظف الضرائب، وأمجد (باشا) أمين الشرطة إلا أنني انتظر منه في كل ثلاثاء "تؤمرني بإيه ياكبير" متغافلا عن منحها لغيري.
قليلا ما أسأل نفسي: ألا أعرف أن رجب بيَّاع كلام؟ ونصَّاب محبة؟! هل أحتاج إلى كلامه الواهب لسلطة مؤقتة مزيفة لا تتجاوز نصبة الشاي وحجارة المعسل ومقاعد الخيزران!؟
تنتهي محاضرات ثلاثاء هذا الأسبوع فأذهب مساء إلى مسجد شهير في حي الدراسة لأداء واجب العزاء في أستاذ كبير في الجامعة، أختار مكانا مجهولا في زاوية يزهدها الجميع، أتصنع الورع محاولا أن يكون حضوري تذكرة لنفسي بالموت لا مجاملة لأسرة الراحل.
تفشل كل محاولاتي لاستلهام الورع والتقوى، إذ لم اتخلص بعد من تلك العادة اللعينة التي ترافقني فأمضي في مراقبة وجوه الناس وطقوس العزاء، تلك الطقوس التي تحولت من مأتم وسواد وحزن وعبرة إلى ستائر حمراء وكراسي قطيفة كما في أفراح الأحياء الشعبية.
لا حول ولا قوة إلا بالله ..ماذا دهاني؟ لم أعد أقدس الآيات التي تتلى، فصوت قارئ القرآن صار مرعبا منذ أن تم الاستعانة بمكبرات صوت "دي جي"، التي تحول لك القرآن إلى صفارات قطار وشخاليل مولد وصدى صوت مجاذيب وذوق غريب لأغاني يفرضها عليك عنوة وإرهابا سائقي التوكتوك. 
في أضواء العزاء المبهرة التي تعمي الأبصار (والقلوب) ينصرف فجاة انتباه المعزين إلى وصول زميلنا في الجامعة الدكتور إيهاب أبو زاهي الذي اختير قبل فترة قصيرة وزيرا. تفسح له أماكن كثيرة ليمنح شرفا وزاريا للمكان، يقف إيهاب ثانيتين كعادته قبل أن يتخذ قرارا يحدد فيه أين سيجلس، يلمح الزاوية المهملة فيأتي إليها ويجلس بجواري.
لا يحترم الناس رغبته في احترام العزاء، فيأتون إليه بهمسات وتزلفات ضاربين بقارئ القرآن الكريم عرض الحائط. أسمح لنفسي - بما أن إيهاب هو الذي جاء إلى جواري - بأن أستمع الى أغلب ما يقولون، ثم أعود فاتمتم في نفسي "استغفر الله العظيم".
كان كل شىء قابلا للاحتمال بدرجة أو بأخرى، إلى أن جاء فجأة الدكتور "منتهى نصار" وهمس في الأذن اليسرى للسيد الوزير "لا أريد شيئا... فقط أود أن أؤكد لك أنك من يومك كبير وابن كبير، ولابد أن تعرف أنني في كل مكان أقول لمن حولي أنك أعظم من أن أنجبت مصر .. لم يأت لهذه الوزارة مثلك في تاريخ البلاد ...ربنا يخليك لمصر". 
ولأن منتهى نصار ينام (وربما يدخل دورة المياه) وفي يده هاتفه المحمول انتظارا لمن سيخبره بأي منصب في المحروسة المدهوسة فإنني نظرت إلى وجه معالي الوزير الذي أعرف ملامحه جيدا فإذا به منشرح الوجنات وقد مسته الكلمات المزيفة وأطربت أذنيه.
وقبل أن "أرمي إيهاب بحجر" وضعت عيني في الأرض
قد لا يكون مهما ما الفارق بين "الدكتور" منتهى نصار و"المعلم" رجب القهوجي، لكن الذي شاغلني هو الفرق بيني وبين إيهاب...لقد انتظر كل منا هذه الجرعات المزيفة من الإطراء.
هل نحن بهذه الهشاشة النفسية؟
هل نحن بتلك القابلية للاستمتاع بالخداع والتزييف!؟

على رصيف محطة القطار. نهارك سعيد

على رصيف محطة القطار تركت أذني تتابع حديثهم المسموع.. ثلاثة ركاب تعارفوا للتو في كافيه المحطة، جمعهم نقد الأحوال السياسية والاقتصادية في البلاد، اكثر ما اعجبني فيما قالوا فهمهم الكامل لمشكلة حقوق الإنسان والحريات. 
في عربة القطار كل يبحث عن طريقة لقتل الساعات الأربع التي سيبقى فيها في كرسيه. هذا ينام أو يتظاهر بالنوم (ومنهم من ينجح نجاحا مبهرا يدل عليه شخير وازيز يأتي من أعماق نفس مطمئنة لا تأبه بالعالم ومن فيه ولا بالقطار وساكنيه)، على الصف الآخر من مقاعد العربة أرى أحدهم استسلم لإعادة قراءة جريدة عبثية تابعت فيها من فوق الرؤوس عناوين حمقاء وموضوعات ساذجة تخاطب قراء خارج الزمن، وهذا ثالث تتمايل رأسه مع ألعاب اليكترونية مثل السمكة العجيبة ....والعربة الرهيبة...وتطبيق لكرة القدم يحرز فيه المستخدم أهداف محمد صلاح.
روعة المشهد لا تكتمل إلا بالخلفية حين تلتفت فجاة إلي صوت بائع جاء من طقوس الخمسينيات ينادي بصوت رفيع: شاي..حاجة ساقعه. .سندويتشاااات.
في الدقائق الخمس التي يقف فيها القطار في كل محطة يصعد أحد المتسولين بصوت تظن أنه تدرب في أفضل المسارح، يحشر نفسه بين المقاعد ..وبأداء تمثيلي يكاد يمس قلبك يكرر دعاء سيظل في أذنيك حتى تصل بيتك: "إلهي ما يرميك في ضيقة قادر يا كريم.....مريض وبتعالج ومش لاقي حق العلاج.....ربنا يرجعك مجبور الخاطر .....إلاهي ما يحوجك لحد من عبيده".
اختار اثنان من منتقدي حقوق الإنسان أن يمضيا الساعات الأربع في اتصالات هاتفية سمعها كل من في القطار....تابعنا جميعا (رغما عن انوفنا) مشكلات الطلاق المتعثرة، وما الذي جاء من أجله كل منهما إلى الصعيد، وما الذي سيفعله غدا وبعد غد. لكن واحدا منهما كان أكثر قسوة في "حقوق الإنسان" حين اختار أن يروي تفاصيل فشل عمله في مزرعة الدواجن بسبب خداع شركائه وغشهم في نسب الارباح. ..اتصل باصدقائه (ربما 5 او 7) وكرر على مسامعنا القصة دون تغيير في حرف واحد ( لعن الله الدقائق المجانية وعروض اتصل بأصحابك وأحبابك بخمسة قروش).
تحملت كل شئ سوى إعادة القصة كل 10 دقائق..وفكرت في ذلك الذي يتعاطف مع حقوق الإنسان وهو ينتهك ابسط حقوق أخيه الإنسان راكب القطار .
أخذني الحاضر إلى الماضي فعدت إلى ربع قرن مضي حين تخرجت للتو من الجامعة فاستوقفني أحد كبار الأساتذة (وكان مدخنا شرها لا تغادر السيجارة أصابعه) وسألني: "اعرف انك تعد بحثا عن تلوث البيئة في الدلتا ...هل اطلعت على كتابي الأخير عن حماية البيئة وصيانتها؟. .إنه أهم كتاب عربي في مجاله" وقبل أن أجيبه انتهت السيجارة في يده فألقى بعقبها نصف المشتعل إلى وسط الردهة التي تفصل بين قاعة الدرس ومكتبه.
------
نهارك سعيد. ..ويومك جميل: تقول فيه ما تفعل...وتفعل فيه ما تقول 

أن تراقب غيرك وهو يشكر الله

تحركت إلى عملي هذا الصباح قبل شروق الشمس، ركبت سيارة أجرة وأعطيت سائقها ورقة نقدية بالأجرة المطلوبة. ولأني أول زبون في اليوم وورقتي النقدية هي ورقة استفتاح فقد أخذها السائق الخمسيني العمر وقبلها عدة مرات ناقلا إياها بين شفاهه وجبهته متمتما بأدعية لرزق يوم جديد.
عشت معظم عمري في حي شعبي..ورأيت هذا المشهد آلاف المرات، لكنه هذا الصباح أدخل على قلبي ارتياحا ملحوظا. قارنت بين ما يقوله البعض من خطأ هذا السلوك ووقوعه في الشرك "الأصغر" وبين حالة الاستفتاح والأمل التي انتابت الرجل وهو يشكر الله ويبتهل إليه.
عادة ما يصنف الدين إلى ثلاثة مستويات:
- الدين الرسمي: وتمثله المؤسسة الدينية القريبة من السلطة والتي تتصالح مع طبيعتها القادرة على إصدار فتوى بالشئ ونقيضه طالما كان ذلك من دواعي المصلحة العليا للبلاد وحكامها 😊. 
- الدين السياسي: وتمثله الجماعات والأحزاب التي لا تقبل بالفصل بين الدين والدولة وتستخدم في ذلك كل السبل السلمية والدموية، وهذا الدين دوما ما يتهكم ويسخر من الدين الرسمي
- الدين الشعبي: وتجده في الممارسات والاعتقادات غير الملتزمة بما يصدره النوعان السابقان من الدين...يمارس فيه الناس ما يحلو لهم معتمدين على أن "ربك رب قلوب".
هناك بالطبع تداخل بين الأنواع الثلاثة، وهناك من يعترض اصلا على هذا التصنيف ويرى أن الدين واحد متعدد الأوجه. لكنني في هذه الخاطرة دربت نفسي على ألا أحاكم المواقف الاجتماعية وفق القوالب الجاهزة. وقد رأيت في سلوك الرجل هذا الصباح مجرد طريقة تعبيرية تريح قلبه لشكر الله ...وهي طريقة تشع بالروح والحياة والصدق.
نهارك سعيد ...كله خير ....وعرفان بنعمة الله

النهاية أول طريق لبداية جديدة

​الخروج إلى الحياة في البكور يريك الأشياء بمفاهيم جديدة، قد ترى الشروق غروبا..وقد يلهمك ذلك مغزي جديد للبدايات والنهايات
-----
الصورة التي أخذتها مرارا لهذا المشهد في الصحراء بعيدة عن متناول يدي في هذه اللحظة...استعنت هنا بصورة تشبهها على الإنترنت لشروق شمس يوم جديد يومك سعيد..قد ترى فيه البداية نهاية..والنهاية أول طريق لبداية جديدة.

Please reload