Cultural geography

مقالات ثقافية

“Each book is a mirror. Choose books wisely, do not use distorting mirrors”. 

بحثًا عن الإسلام في المجر

على مقربة من مبنى البرلمان الوطني بالضفة الشرقية لنهر الدانوب أنهيت جولة استطلاعية للعاصمة المجرية بودابست. دفعني الجوع والتعب إلى اختيار أول مطعم يقابلني. من بين لافتات متنوعة لأطعمة مجرية وأميركية شدني مطعم عربي يحمل اسم "ملك الفلافل"، بعد أن جلست إلى طاولتي تذكرت عهدًا كنت قد قطعته على نفسي ألا أدخل تلك المطاعم التي تحمل أسماء المشكلات النفسية والسياسية التي نحملها معنا في المهجر على شاكلة "إمبراطور" البيتزا، و"برنس" الشاورما، وكباب "الزعيم".

ما أن تعرف على ملامحي العربية حتى قابلني البائع العربي بجفاء، لا بأس.. لم يعد تضيرني الآن تلك المقابلة العبوس، فقد فهمت السبب من أسفار وخبرات سابقة. عليك أن تتحمل ذلك الجفاء لخمس دقائق إلى أن يتأكد "شقيقك" العربي أنك لم تأت حاملا إليه مشكلة أو "ورطة".

عادة ما تكون "الورطة" إلحاحًا في طلب عمل، أو ترتيب الإقامة بدون نفقات، أو التعامل مع السلطات المحلية، أو طلبا للمال لشراء تذكرة العودة إلى الوطن بعد انسداد السبل.

نجحت الدقائق الخمس الأولى في طمأنة البائع مازن الذي سرعان ما أسلم نفسه لرغبة الحكي عن تجربته القاسية. ترك مازن وطنه هربا من ثنائية البطالة والاستبداد ودفع كل ما يملك لسمسار تهريب لاجئين. كانت الوسيلة سيارة نقل خضراوات متجهة من تركيا إلى أوروبا، دفن المهرب مازنا بين أقفاص الخيار والطماطم مع التشديد عليه ألا يتحرك خطوة من مخبئه.

بعد أسبوع من سفر السيارة عبر جنوب شرق أوروبا وصولا إلى وسط القارة، تمكن المفتشون على الحدود المجرية من العثور على مازن بين الأقفاص، كانت صحته قد تدهورت لدرجة بالغة. بقي مازن في المستشفى شهرين بين الموت والحياة، وحين أفاق خضع لعدد من التحقيقات إلى أن سمحت له السلطات المجرية بوثيقة إقامة في المجر.

بمزيج من الأسى والأسف ابتلعتُ لقيمات طعامي مع أحزان مازن وودعته مستأنفا رحلتي، متمنيا أن يمنحه الله العزم في مواجهة مشكلاته الكثيرة، وفي مقدمتها تعلم اللغة المجرية، وإعادة بناء مستقبله، واختيار زوجة تفهم تعاليم دينه الإسلامي، ثم الحفاظ على هويته، أو بالأحرى ما تبقى منها.

الحاضر مفتاح الماضي

بودابست عاصمة المجر وقلبها النابض، لن يكفيك شهر من التجوال الجاد بين المتاحف والكنائس والشوارع والمسارح والأزقة حتى تقف على كافة تفاصيلها، هذا إن أردت التدبر والتأمل ولم تكن رغبتك فقط أن تمر على المدن فتوقع في دفاتر الحضور وتعود إلى الأصحاب فتقول "كنت هناك".

المحطة الأولى للتعرف على العاصمة المجرية لابد أن تبدأ من كنيسة ماتياس التي يعود تاريخها للقرن الثالث عشر الميلادي. داخل الكنيسة قد تجذبك الأسقف المصممة على طراز الفريسكو والتشكيلات المختلفة للتصميم القوطي واللوحات الزيتية المبهرة لقصص ومواقف من الإنجيل، رسمت على طراز عصر النهضة.

لكن الذي سيلفت انتباهك حقا أن هذه الكنيسة حولها الأتراك خلال حكمهم الذي دام نحو 160 سنة إلى مسجد جامع. احتفظ الأتراك بكل شيء في الكنيسة ولم يعدلوا في الداخل أو الخارج سوى موضع المحراب والقبلة. ومن ثم كانت المهمة سهلة على المجريين حين أعادوا تحويل المسجد إلى كنيسة بعد "طرد" الغزاة.

العمارة المسيحية هي المعلم الأساسي للمدينة، وكتب الإرشاد السياحي ستدلك على كنائس مختلفة الفرق والمذاهب، وستجمع كافة المصادر السياحية المطبوعة والمرئية على أن تهمس في أذنيك ألا تفوتك زيارة ثاني أكبر المعابد اليهودية في العالم، وأكبر المعابد اليهودية في أوروبا ألا وهو "سيناجوج بودابست".

في نهاية التجوال ستقلب كفيك وأوراقك، فالعمارة اقتبست من الفن الإسلامي الكثير، والكنيس اليهودي ليس سوى نسخة طبق الأصل من مسجد بمئذنتين. صحيح أن بعضًا من العمارة بنيت وفق الفن القوطي وعصر النهضة والتصميم الباروكي، لكن كثيرًا من المعمار يحمل بصمات شرقية: بيزنطية وتركية وإسلامية.

وسط هذا الزحام ستندهش حقا كيف لا تعثر على أية معالم إسلامية في مدينة تحكي صفحاتها عن الفترة الإسلامية التركية حين حكم الإسلام المجر بين عامي 1541 و 1699، ولك أن تقدر عدد المساجد التي أقيمت خلال تلك الفترة الطويلة قبل أن تزال وينالها التدمير بعد أن استعاد الصليب هيبته من جديد.

على بعد نحو ساعة من مركز المدينة، وبعيدا عن أية معالم سياحية يقع المركز الإسلامي لمسلمي المجر في ضاحية "كيلينفولد"، بناية من ثلاثة طوابق بلا قباب أو مآذن ولا يمكن تمييزها عن أية عمارة سكنية مجاورة. الصورة النمطية عن المسلمين هنا أنهم أقلية هامشية لا وزن لها، حيث لا يزيد عددهم عن 30.000 مسلم في بلد تعداده 10 ملايين، ويمكن تقسيمهم إلى فئتين، الوافدين من العرب والترك والبلقان وجنوب آسيا، وهؤلاء يمثلون الأغلبية بنسبة 90%، والمجريين الذين اعتنقوا الإسلام ويمثلون النسبة الباقية.

في المركز الإسلامي التقيت سلطان شولوك، وهو شاب مجري في نهاية العقد الثالث من عمره، يعمل في المجال الاقتصادي، اعتنق الإسلام حين كان في المرحلة الجامعية بعد رحلة بحث وقراءة انتهت إلى ديانة التوحيد.

يشغل شولوك منصب رئيس هيئة مسلمي المجر، ولديه وعي كبير بآمال وآلام المسلمين في الغرب بشكل عام. يلخص شولوك أهم آلام المسلمين في المجر في تدني المستوى الاقتصادي والثقافي. فمعظم مسلمي المجر يعانون من عدة مشكلات تجعلهم يمثلون عبئا وليس مصدر قوة، فمستواهم المهني والمهاري ضعيف وجاؤوا إلى المجر هربا من مشكلات اقتصادية وسياسية في أوطانهم، ويعانون من عدة مشكلات اجتماعية ونفسية تجعل التعويل عليهم في المستقبل مراهنة محفوفة بالمخاطر.

المفتاح الأساسي الذي سيقوي من موقع المسلمين في المجر بحسب شولوك هو تحسين صورتهم النمطية، فالمقولة السائدة لدى بعض القوميين المتشددين في المجر هي "حمدا للرب أننا لسنا مسلمين" وهو موقف يأتي نتيجة الحالة المتردية لعدد كبير من المسلمين في المجر اليوم، كما يعود جزء منه إلى الصورة المتحيزة التي ينقلها الإعلام المجري عن العالم الإسلامي.

حين تعود إلى كتب التاريخ لن يعطيك الحاضر مفتاحا للماضي فحسب، بل يدلك على مقارنة صارخة. فعلى خلاف الصورة النمطية السائدة التي تربط الإسلام في المجر باللاجئين الفارين من الاستبداد والفقر أو بالسيطرة التركية على جنوب شرق أوروبا خلال العصر الحديث، يؤكد عدد من المصادر التاريخية (وكثير منها مجري) أن المسلمين وصلوا إلى المجر ضمن أول موجات استيطان للقبائل المجرية التي هاجرت من منطقة الأورال وشمال بحر قزوين إلى حوض الكربات في نهاية القرن التاسع الميلادي (895 م).

كان عدد من المؤسسين الأوائل للدولة المجرية في القرن العاشر الميلادي من مسلمي خوازرم، ذلك الإقليم الذي مثل الامتداد الشرقي للخلافة العباسية في تلك الأثناء. وحين تم تحول القبائل المجرية إلى المسيحية في مطلع القرن الحادي عشر (بعد تعميد الملك المجري سان ستيفان) كان المسلمون في المجر تجارًا ورحالة وخبراء في العسكرية ومستشارين للقصر الملكي.

الإسلام هنا أصيل وليس وافد، إسلام نشأ في تربة المجر الأولى ولم تكن فترة الحكم التركي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر هي أول معرفة للمجر بالإسلام، كما لم تجلب هجرات العرب الحديثة إلى المجر الإسلام بصفته دينا وافدا على نحو ما يصور القوميون المجريون.

الداعية والترجمان

في المركز الإسلامي في بودابست جلست مستمعا إلى لقاء دعوي للنساء يتقدمن فيه بأسئلة إلى داعية جاء من شبه الجزيرة العربية. أشفقت على الداعية الحديث العهد بالمجتمع الأوروبي، فالأسئلة كانت بالغة الصعوبة بالنسبة لخبراته السابقة، انهالت على الرجل الأسئلة: كيف توافق بين ما تلقنه لأبنائك في البيت وما يتلقونه من قيم ومبادئ علمانية في المدرسة والجامعة؟ ما هي الحجج العقلية التي يمكن أن تسوقها الفتاة المسلمة في سن المراهقة لزميلاتها اللائي يفتخرن بعلاقتهن الجنسية مع الشباب؟ كيف تصبح مسلما ومواطنا مجريا في ذات الوقت؟

الداعية العربي كان يقدم إجابات "سابقة التجهيز" تعلمها وتدرب عليها في مجتمع محافظ بطبيعته، إجابات تحيلك إلى ما هو "نقلي" لا "عقلي". ولأن المترجم من العربية إلى المجرية كان عربيا من الذين عاشوا في المجر لعقدين ولديه فهم أكثر للواقع فقد سمح لنفسه بتحويل الإجابات المقتضبة غير الشافية إلى إجابات مسهبة في نسختها المترجمة، وبينما كانت إجابة الداعية عن كل سؤال تأخذ نصف دقيقة استغرقت الترجمة إلى المجرية نحو خمس دقائق!

لماذا لا يصبح المترجم داعية؟ جاءتني الإجابة: ألا ترى الداعية بزيه الإسلامي ولغته العربية ولحيته الطليقة!؟ المسلمون هنا يعتقدون أن الداعية الحق هو من يأتيهم من قلب ديار الإسلام، السعودية، اليمن، والأزهر.

بدا أنه لكي يكون الشيء "مقدسا" فلابد أن ينطق بلسان "عربي" مبين، وهو مطلب يبدو أنه ارتبط بحسن قراءة القرآن أكثر مما ارتبط بحسن قراءة الواقع.

خرجت من المركز أودع الأصدقاء الجدد، وحين أعربت لهم عن أمنيتي لو كان المركز مسجدا بمعالمه الروحية، حيث القبة والمئذنة والباحة والأسوار الخارجية، نصحني الأصدقاء بالسفر إلى بلدة "بيهتش" في جنوب المجر على بعد نحو 300 كلم من العاصمة بودابست، على أن أحبس أنفاسي هناك لأني سأجد من الإثارة الكثير.

الصليب فوق القبلة

في قطار من الحقبة الشيوعية مزود بتجهيزات عصرية قطعت الطريق إلى "بيهتش" متطلعا إلى حالة التناغم المعماري في الأراضي المجرية. فعلى خلاف ما تعانيه مراكز العمران في دول العالم الثالث من التباين الكبير بين العاصمة ومدن الأطراف، تتسم مدن وبلدات المجر، كغيرها من مدن وسط أوروبا، بانسجام وتناغم معماري بين المركز والأطراف على السواء. ربما يعود الفضل في تضييق الفوارق المعمارية وخدمات البنية الأساسية إلى الفترة الشيوعية.

الفارق الأساسي الذي ستلحظه حين تقارن بين بودابست وبيهتش أن الأولى تعرض عليك في بانوراما معمارية حلقات متجاورة من تاريخ الألف سنة الماضية أمضاها الشعب المجري في صدام واشتباك مع القوى الإقليمية المجاورة، مسيحية وقومية وإسلامية وشيوعية. في المقابل ستبدو بيهتش بلدة تجمع بين عمارة القرون الوسطى ورفاهية القرن الحادي والعشرين.

بيهتش مدينة صغيرة أنيقة يبدأ كل شيء فيها من الميدان الرئيسي الذي يتوسطه المسجد الذي حوله المجريون إلى كنيسة. من أي مكان في وسط المدينة يمكنك رؤية المسجد وقد علا الصليب فوق هلاله.

الأمر مختلف هنا عما مارسه المسيحيون في روسيا خلال العهد القيصري حين كسروا الأهلة ووضعوا الصلبان فوق المساجد وحولوها إلى كنائس (في العهد السوفياتي تفنن الشيوعيون في مضمار آخر، إذ حولوا المساجد إلى حظائر للماشية).

داخل المسجد/الكنيسة في بيهتش يؤكد لك المشهد أن الدين لمن غلب، فبهو المسجد وأروقته صارت مقصورات كنسية، وتم تحويل مشربيات المسجد وقبته الفخمة إلى منصات للأيقونات والتصاوير المسيحية. المشهد النادر الصادم تمثله قبلة المسجد، في وسط القبلة "بسم الله الرحمن الرحيم" وفوق المحراب تمثال يجسد المسيح مصلوبا ينزف الدم من صدره!

إذ أردت الصلاة فليس أمامك في "بيهتش" –التي كانت مركزا إسلاميا رائدا في وسط أوربا– سوى مسجد صغير بمئذنة بالغة التميز، تم تحويل نصف هذا المسجد إلى متحف للتاريخ التركي والنصف الآخر زاوية للصلاة.

حين تصلي في آخر بقعة مما تبقى للإسلام في المجر ستغمرك حقا مشاعر مختلطة، لن يقطعها سوى أجراس كنيسة البازيلكا المجاورة.

ستمضي بك الأفكار إلى شعاب شتى، بعضها يشغلك بمستقبل المسلمين في جنوب ووسط أوروبا في القرن الحادي والعشرين؟ وبعضها يحبسك في تركة التاريخ ومشكلات الحاضر؟

لكن الأكيد أن رحلة البحث عن الإسلام في المجر ووسط أوروبا ستقنعك في النهاية بأن البوابات تفتح على عوالم أكبر، تتجاوز المشاغبات الدائرة في "حارة" الشرق الأوسط.

 

"بيت الحرية" .. همس الدولار وصوت الثوار!

فترة مربكة تلك التي تعيشها الشعوب الآن، الحواجز الزجاجية تحول بينها وبين التغيير، فإذا ما انتفضت وجدت نفسها تتلقى التهنئة من المسئولين الأمريكيين الذين يفاخرون فجأة بتمويلهم الخفي لمنجزات الثورة عبر مؤسسات ماكرة أشهرها "بيت الحرية" .

هكذا بدا للوهلة الأولى أن على الشعوب الثائرة أن تختار إما لوم التاريخ بتهمة تسليم النفس-بوعي أو بدونه- دمية في يد القوى الإمبريالية، وإما أن تستسلم خانعة، متذرعة بأن دعما من "الشيطان" لا خير فيه.

بيت الحرية مؤسسة أمريكية يزيد عمرها اليوم عن 64 عاما، هدفها الذي يعبر عنه الاسم والشعار هو نشر "الحرية" في كل مكان، من فنزويلا في  أمريكا اللاتينية إلى قيرغيزيا في وسط آسيا الإسلامية.

 في أوكرانيا كان بيت الحرية حاضرا، وقبلها في جورجيا، ثم صار علامة فارقة فيما جرى في قيرغيزيا، الآن يتردد الاسم كثيرا في مصر وتونس وليبيا والأردن ولبنان.

أول القصيدة

الوجوه النسائية الداعمة لبيت الحرية اليوم، وفي مقدمتها مادلين أولبرايت وكونداليزا رايس تستمد شرعيتها من الجذور الأولى للمؤسسة؛ ففي عام 1941 نجحت "أنا إليانور" زوجة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بالتعاون مع المحامي "ويندل ويلكي" في تأسيس "بيت الحرية". ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عرفت المؤسسة بشعاراتها التي ناهضت ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والتعسف السوفيتي تجاه شعوب أوربا الشرقية، واضطهاد حقوق الإنسان في الصين والدول الإفريقية.

تحررت المؤسسة سريعا من مفاهيمها التي بدأت بها بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية من دعم مشروع مارشال لإعمار أوربا المدمرة إلى التخصص في إدارة الحرب الباردة عبر التغلغل السري في المجتمعات الشيوعية من الصين شرقا إلى كوريا غربا.

كما تحررت المؤسسة من قيود التمويل الحكومي، وصارت تتلقى تمويلا من قبل العديد من المؤسسات ذات المصالح الفردية الخاصة؛ وعلى رأسها مؤسسة البليونير اليهودي جورج سورس، الذي مول الثورتين الجورجية والأوكرانية بشكل مباشر.

وعلى الرغم من أن بيت الحرية يرى في نفسه منظمة "غير ربحية ومحايدة" فإن قليلين يصدقون هذا التجمل. فالمشكلات المسماة بحقوق الإنسان محط اهتمام بيت الحرية بكافة أطيافها، من دعم حقوق النساء في قيادة السيارات بالسعودية، إلى توبيخ فلاديمير بوتين رئيس روسيا بسبب المقابر الجماعية المكتشفة في الشيشان. كما تتباين إغواءات هذه المنظمة للمتعاونين معها، من منح دراسية وحضور مؤتمرات وورش عمل في الولايات المتحدة وأوربا، إلى دعم الثورات الشعبية وتمويل الانتفاضات ضد النظم الحكومية وضخ ملايين الدولارات للمنظمات غير الحكومية. ما زال جيمس ولسي رئيس بيت الحرية، الذي كان سابقا رئيس جهاز المخابرات الأمريكية CIA، يقول إن مهام بيت الحرية لا علاقة لها بالسياسة.

 أما خطاب الازدواجية فليس بجديد، عديد من الدول -مثل ليبيا- تصنف في مطبوعات مؤسسة الحرية كأسوأ نظم للحكم في العالم، بينما تتفاهم الإدارة الأمريكية معها بترحاب وصداقة، فهذه قصة وتلك حكاية. وهو أمر نجده في تقارير بيت الحرية، التي تتحدث عن تعذيب المعتقلين الإسلاميين في دولة مثل أوزبكستان، بينما الإدارة الأمريكية تراها دولة شراكة إستراتيجية.

 

معايير الحرية
 

يصدر بيت الحرية عديدا من المطبوعات بشكل دوري، أهمها التقارير السنوية المعروفة باسم: الحرية في العالم، ودول في مرحلة الانتقال، وتقرير حرية الصحافة. فضلا عن مطبوعات خاصة، أهمها تقرير الأوضاع الدينية ومستوى التسامح.

ومن أكثر ما اشتهر به بيت الحرية تصنيف دول العالم إلى درجات بحسب مستوى الديمقراطية، بناء على منح كل دولة عدة نقاط تجعلها إما دولة حرة، أو حرة جزئيا، أو غير حرة، وذلك بحسب مستوى الممارسات السياسية الداخلية. وتشمل هذه الممارسات نزاهة الانتخابات، فضلا عن مدى حضور مؤسسات المجتمع المدني، من حيث العدد ومدى تمويل الحكومة لها، وهل وصلت إلى تمثيل سياسي في المجتمع، وهل تعيش فوق الأرض قانونية أم تتستر خشية البطش من السلطة. ومن المعايير المهمة للحكم على مدى حرية الدولة -من قبل بيت الحرية- مستوى الرقابة على وسائل الإعلام، وحرية المناهج التعليمية وعدم توجيهها دينيا، وكذلك مدى وجود منظمات دينية متطرفة في الدولة. أضف إلى تلك المعايير شفافية الأداء الحكومي واستقراره ولامركزية الدولة، وأخيرا درجة الفساد الحكومي.

هذا وتعطي دول العالم نقاطا من 1 إلى 7 حسب المستوى الذي وصلته في الديمقراطية أو الديكتاتورية. وذلك حسب الفئات التالية. الوصف الذي يعطى للنظام الحاكم ودرجة الديمقراطية:

 

ديمقراطية راسخة - 1 إلى 2

ديمقراطية شبه راسخة - 3

نظم انتقالية أو تزاوج بين الديمقراطية والاستبداد - 4

نظم شبه استبدادية - 5

نظم استبدادية - 6-7

 

خريطة الاهتمام

هناك منطقتان تشغلان مكانة شديدة الحساسية على خريطة اهتمام بيت الحرية هما العالم العربي والدول المتفككة عن الاتحاد السوفيتي. وقد حلت المنطقتان محل دول أمريكا اللاتينية ودول أوربا الوسطى اللتين كانتا مركز الاهتمام خلال عقد الثمانينيات. في أمريكا اللاتينية تم دعم الانقلابات، عبر شبكة من المنظمات تعاون فيها بيت الحرية مع وكالة المخابرات الأمريكية، وفي أوربا الشرقية كان الهدف اختراق الستار الحديدي للمعسكر الشيوعي وإضعافه من الداخل، حتى بأيسر الوسائل كإذاعة أوربا الحرة. أما عن أسباب اهتمام بيت الحرية بالمنطقة العربية فقد سال من أجله حبر كثير، بعضه سُكب لاتهام هذه المؤسسات العربية -وأكثرها في صورة مراكز أبحاث ومنظمات للمجتمع المدني وجمعيات لحقوق الإنسان- بالخيانة الكبرى والتخابر مع الأمريكان، وبعضه راهن على أن التغيير يستحيل أن يأتي دون هذا الدعم، وأن نجاحا في الصراع الداخلي نحو الحرية بدون هذه القوى محض أوهام.

في الأمثلة السابقة، يصطلح على تسمية الدور الذي يلعبه بيت الحرية في الصراع الداخلي بين تيارات المعارضة والسلطات الحكومية باسم "القوى الثالثة". يتمثل دور القوة الثالثة في ترجيح قوة المعارضة أمام قوة النظم المستبدة. هذا التقسيم النظري يخفي أبعادا كثيرة شائكة مع اعتماد بيت الحرية أسلوب الدعم الانتقائي الذي يسهم في مرور القوى الثالثة إلى بعض الدول دون غيرها، بحسب حساسية علاقة الإدارة الأمريكية ببعض الدول والاتفاقات الإستراتيجية المبرمة معها.

شعوب في مرحلة انتقالية

في كل مرة تسأل فيها محاورك في الشارع الروسي عن سر استمرار التدهور للأمة الروسية ذات المكانة المهمة في التاريخ، تأتيك الإجابة بأن هذه مرحلة انتقال تشبه مرحلة الميلاد التي لا مفر من تحمل آلامها القاسية قصيرة الأمد كآلام المخاض.

ومنذ عام 1999 يصدر بيت الحرية تقريرا سنويا عن الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، والتي كانت تدور في فلكه، ويسمى التقرير "أمم في مرحلة الانتقال". تترامى أمم مرحلة الانتقال في ثلاث مناطق مفصلية في الجغرافيا السياسية في شرق أوربا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. نجح بيت الحرية في أن يجري تجاربه الناجحة على دولة واحدة من كل منطقة فأطاح بنظامها القديم ودفع بالمعارضة إلى سدة الحكم:

- في القوقاز تم اختيار جورجيا في نوفمبر 2003 فقلب نظام الحكم فيها، وهو ما صنع رعبا لدول الجوار خاصة أذربيجان.

- وفي شرق أوربا تم اختيار أوكرانيا في ديسمبر 2004، وهو ما شكل تهديدا لدول الجوار خاصة بيلاروسيا ومولدوفا .

- وفى آسيا الوسطى تم اختيار قيرغيزيا في مارس 2005، وهو ما خلق فزعا لحكومات باقي دول الإقليم وخاصة أوزبكستان وتركمانستان.

في هذه الدول وفي غيرها، كان لبيت الحرية الدور الأكبر -بدعم مالي وإعلامي من السفارة الأمريكية والمخابرات المركزية والاتحاد الأوربي ومنظمة الأمن والتعاون في أوربا - في تدعيم حركات المعارضة الداخلية ومؤسسات المجتمع المدني والصحف المناهضة للدولة وقنوات التلفاز التي تتربص بالفساد وتفضح النهابين.

العالم العربي

بناء على معايير الحرية المشار إليها سلفا صنف تقرير بيت الحرية في عام 2005 كافة الدول العربية دولا غير ديمقراطية، واستثنى منها البحرين والأردن والكويت والمغرب التي منحت صفة الحرية الجزئية. بينما حصلت دول إفريقية مثل بنين وبوتسوانا وناميبيا على درجة الحرية الكاملة، متساوية في ذلك مع دولتين فقط في الشرق الأوسط هما إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

لا يوجد مفهوم اسمه العالم العربي في بيت الحرية، فلكل دولة، إذا ما استثنينا اللغة، ملف مستقل به بعض المتشابهات وبعض الخصوصيات، بما يجعل هذه الدول في نظر بيت الحرية حقلا جيدا للتجارب في ظل مجموعة التوترات التي بقيت دون علاج منهجي عبر العقود الماضية، وأهمها:

  • التشاحن العرقي الذي تعيشه بعض الدول العربية وهي واضعة يدها على الزناد، حالة توجد بشكل واضح في دول مثل العراق وسوريا والسودان والمغرب.

  • التوترات الدينية التي تعيشها بعض الدول مثل لبنان ومصر، ومن يراجع مؤتمرات أقباط مصر في الخارج فسيجد مشاركين من بيت الحرية على أهم موائد الحوار.

  • الحساسيات المذهبية داخل عديد من الدول العربية داخل الفضاء الإسلامي الواحد. ومن يقترب من دول الخليج والسعودية يعرف أن الاختلاف الشيعي السني أقرب الملفات للاستغلال المستقبلي. ومن يعايش الفئتين يجد نارا متقدة تحت الرماد، وما حديث العراق منا ببعيد.

  • التهميش السياسي لأحزاب المعارضة وتحويل كثير منها إلى مسميات على ورق وتسريب معلومات عن تحالفها مع الحكومات في الخفاء اتقاء للضرر وطمعا في الحياة. فضلا عن بلوغ الدول العربية درجة لا نظير لها في مستويات الفساد الحكومي حسب معايير بيت الحرية.

  • التناحر السلطوي- الإسلامي في عديد من الدول العربية في موجات بين مد وجزر.

هكذا فإن بإمكان بيت الحرية التغلغل في أي من الدول العربية. وإذا استفدنا من تجربة آسيا الوسطى وشرق أوربا فإن دولتين هما مصر ولبنان كانتا الأكثر قدرة على المحاكاة، بحكم ثراء النموذجين بأطياف متباينة المطالب: إسلامية ومسيحية وعلمانية وقومية ووحدوية.

 نقطة الفصل في إمكانية ترجمة أي من النماذج العربية إلى مستوى "دول مرحلة الانتقال" في آسيا الوسطى وشرق أوربا يقطع بها القرار السياسي الدولي وشبكة التحالفات والمصالح، وليس فقط خلاصات أبحاث بيت الحرية.

ولعل ما يجعل الطريق ممهدا أمام تغلغل بيت الحرية في العالم العربي هو غياب التمويل المحلي لمنظمات المجتمع المدني، سواء من قبل الدعم الحكومي أو بتبرعات جهات داخلية (يمكن من زاوية أخرى أن تحقق هذه الجهات مصالح خاصة داخل البناء السياسي للدولة).

ورغم أن رياح بيت الحرية ليست الأقوى بين الرياح التي تدفع أشرعة التغيير في العالم العربي اليوم، فإن المستقبل سيكشف عن نمو بالغ لهذه المؤسسة في عالمنا العربي سواء بالتغلغل المباشر أو بإملاءات سياسية، وهو ما سيكتب لها حضورا فاعلا لتحقيق أهداف بعضها لا يختلف على أهميته من حيث المبدأ، وأكثرها يفترق الناس حول غاياته المستترة.