Expeditions

A journey of a thousand miles begins with a single step

- Chinese proverb

جنوب مصر - دندرة - أسوان - الأقصر - أرمنت - إدفو - الدبابية 

القراءة الكثيرة لا تفيد !!
سنوات طوال أقرأ عن "الجبلين"، عن موقعها على مرمى حجر جنوب الأقصر وأرمنت، حضارتها ومقابر الذين سكنوا فيه قبل التاريخ بآلاف السنين، مقام "الشيخ موسى" ، الكهوف والمغارات التي كانت مقابر ومعابد للملوك وحكام الأقاليم، نهر النيل وهو يكاد يختنق بين الجبلين الشرقي والغربي ويفلت منهما بأعجوبة جغرافية واستثناء جيولوجي، الظلم الذي وقع عليها بنهب الآثار، الأجانب الذين جاءوا عبر القرون وسلبوها كل ثمين وتركوا التراب والهياكل الصخرية، عن أهلها الطيبين.
حين أتيت إليها قبل أسبوعين رأيت وسمعت وفهمت ما لم تقله سنوات القراءة والنظر في الخرائط. 
كفى قراءة ..مد الخطى وقابل المكان !

***
وليس كل بشر حي ....وما كل حجر ميت !
من معبد الطود. .جنوب الأقصر
***
مع بس Bes ....في دندرة (قنا) 
واحد من التماثيل النادرة في كل الدنيا للمعبود المصري بس والذي تشير الأدلة والأبحاث إلى أنه كان مجسدا في البيت المصري طلبا للحماية من الأخطار وطردا للأرواح الشريرة ، وإرهابا للثعابين المنزلية، ومن أسباب تقديسه أيضا ما اشتهر به من أثر في رعاية الأطفال حال غياب آبائهم. تطورت وظائف بس خلال فترتي الحكم البطلمي والروماني ليصبح جالبا للحظ الجميل في العلاقات العاطفية الحميمية ورفيقا للموسيقى والطرب والرقص. 
لشهرته الفائقة انتقلت عبادته من مصر إلى الساحل الفينيقي وأجزاء من شرق المتوسط، كما صار شهيرا في الإمبراطورية الفارسية التي تبنته معبودا خلال سيطرتها على مصر في نهاية العصر الفرعوني وقبيل غزو الإسكندر. 
في الصورة التي اجلس فيها مع بس في معبد حتحور في دندرة يبدو بس هنا على هيئة قزم، ربما تجسيدا لواحده من أدواره العديدة مرافقا لأجواء المرح والسرور والرقص والموسيقى. 
وغالبا ما يلفت بس النظر بهيئته التي يرى الباحثون أنها تجمع ما بين نشر المرح والسخرية من ناحية وبث الخوف والفزع من ناحية ثانية وذلك في تجسيد لصفات ازدواجية اشتهرت بها كثير من المعبودات المصرية.
وقد يبدو في شكل أسد قوي أحيانا ويبدو في شكل أنثوي في أحيان أخرى بثدي مترهل وبطن منتفخة.
***
الشغف في المهد !
جاء مع أبويه من بلاد الثلج الدائم إلى قنا لزيارة معبد دندرة.
غافلته وسجلت اللحظة
***

محو الأمية في الدبابية !
يختتم أحد الباحثين الذين يعملون معي في الدكتوراه رسالته قبيل المناقشة بمراجعات حقلية لما توصل إليه من نتائج وتحليل، بينما تبدأ باحثة أخرى رحلتها في الدكتوراه باختيار موضوع للرسالة.
أتيت مع الاثنين نتعلم في جنوب مصر. في الصورة يقف الباحثان عن اليمين..بينما اقف على اليسار مع أحد المسؤولين في موقع محمية الدبابية ذات الشهرة العالمية في تاريخها الجيولوجي والأثري ومكانتها المرموقة في سجلات اليونسكو.
ما حكاية الدبابية!؟...تابع المنشور المقبل بإذن الله

***

الزمكان !
هذه هي الصيغة الأدق لحالة الاستدامة والزواج الأبدي بين الزمان والمكان. 
والزمكان Spacetime كلمة واحدة لا يجوز الفصل بين شطريها بحرف عطف (المكان والزمان Space and Time) ولا بمسافة فاصلة صغيرة (المكان - الزمان Space- Time ) لأن الذي نعيشه في الواقع أكبر من مجموع كليهما معا. 
جال ذلك بخاطري خلال تأملي سقف معبد إسنا في صعيد مصر(والذي أسسه المصريون القدماء وجدده البطالمة والرومان عبر رحلة استمرت ثلاثة آلاف سنة على الأقل). السقف تجسيد للسماء المرفوعة المسكونة بالمعبودات والمجموعات النجمية ومخلوقات خرافية، والسماء مرفوعة عن الأرض بأعمدة (نراها !) عددها 24 عمودا على صالتين، تجسيدا للزمن الذي نقيسه بعدد ساعات اليوم: 12 للنهار و12 لليل. 
تيجان الأعمدة تجسد أشكالا عدة أهمها زهرة اللوتس ، وما زهرة اللوتس سوى رمز لانبثاق الحياة من الأرض.
أقيم المعبد على الضفة الغربية لنهر النيل الخالد...جاء المصريون من سلالات سكنت الصحراء في الشرق والجنوب الشرقي، وجاء البطالمة والرومان من الشمال عبر البحر، وجاءت مياه النيل من عمق الحبشة في الجنوب ومعها التربة البركانية الخصبة..ولقد تزاوج كل ذلك وتناغم وخلق "الزمكان" الذي أضيفت اليه وأثرت فيه وتأثرت به نهايات الحكم الروماني وازدهار المسيحية وبداية العصر العربي والإسلامي ثم العصرين الحديث والمعاصر. 
-----------
ملحوظة لهواة الترحال والتصوير: 
للحصول على صورة كصورتي هذه لابد أن تستلقي على ظهرك كلية..وتنظر بالكاميرا لسقف المعبد وتأخذ 10 لقطات متتابعة وتختار أفضلها لاحقا (لا تشغل بالك بحالة ملابسك بعد التصوير ...صحيح ان ارض المعبد تعاني نشع المياه الجوفية( ومياه الصرف) ..لكن السعادة ستنسيك كل شىء)
***
لماذا عبد أجدادك القرد !؟
احتل القرد منذ بدء الحضارة المصرية مكانة مرموقة، وكانت أهم مكانة رُفع إليها هي مكانة رب الحكمة والمعرفة، سيما حين اتخذ القرد تجسيدا مغايرا (شكلا آخر من أجل التنويع) لإله المعرفة "تحوت" أخذا في الاعتبار الذكاء الملحوظ الذي اشتهر به قرد البابون في عالم الحيوان. 
عثر علماء الآثار على مئات المومياوات لقردة البابون سيما في محافظة المنيا تكريما لهذا الحيوان الذي احتل مكانة عالية في عالم ما بعد الموت.
الجلسة التي يتخذها قرد البابون الذي أقف إلى جواره في الصورة هي جلسة القرفصاء تعبيرا عن تأهبه فوق قمة الميزان مراقبا للوزن وإحصاء الذنوب والحسنات حين يعرض الإنسان على قضاة البعث لتحديد مصيره..إلى نار وهلاك وعذاب أو إلى بعث لحياة جديدة. وتجد في أول تعليق رسما لهذا القرد مأخوذ من تل العمارنة في المنيا يحصي الوزن ويملي على الكاتب مقدار "وزن القلب" لكل إنسان. 
هناك أنواع من هذه القردة تشتهر بالعدوانية والعنف (خاصة الذكور منها) ومن ثم كان تقديسها رمزا للانقضاض على المغضوب عليهم تعذيبا لهم. كما توجد نقوش مصرية قديمة تبين اتخاذ هذا النوع من القرود العنيفة بثا للرعب في نفوس اللصوص فيما عده البعض أقرب إلى كلاب بوليسية بالمعنى الحديث. 
ولأن للقرد مهارات متعددة وجدت نقوش تبين قيامه بأدوار عزف الموسيقى والرقص ومسامرة الملوك والحاشية.
هناك أدلة على أن بعض القرود كانت تستوطن البيئة المصرية، ولكن الأغلبية تم جلبها من النوبة: عمق مصر الإيكولوجي والحضاري. 
الصورة المرفقة من زيارة لأحد معابد جنوبي الأقصر، وتجدون في أول تعليق رسما تخطيطيا للهيئة التي يتخذها قرد البابون وفي التعليق الثاني مزيدا من المعلومات عن علاقة قدماء المصريين بالحيوانات.
***
في حضرة سيخميت...ابنة الشمس ! 
هذا هو جزء من تمثال وحيد شبه مكتمل في معبد أرمنت، وأرمنت بلدة فقيرة متواضعة تقع على بعد نصف ساعة بالسيارة جنوب الأقصر المتلألأة الثرية بالمقارنة. 
تعرض معبد أرمنت منذ الحملة الفرنسية في 1798 لكل أشكال التردي فلم يبق منه سوى أطلال متناثرة، ولولا اللوحات التي رسمها علماء الحملة الفرنسية لهذا المعبد ما كنا عرفنا شكله الأصلي قبل أكثر من قرنين من الزمن. 
سيخميت Sekhmet معبودة تجمع متناقضات عدة فهي إلهة الشمس، والحرب، والتدمير والطاعون والشفاء . تعد سيخمت واحدة من أقدم المعبودات وأكثرها قوة. ظهرت عبادتها في منف ضمن الثالوث المقدس. 
ظهر الثالوث المقدس أولا في المصرية القديمة قبل أن تعرفه المسيحية، كان هذا الثالوث يتألف من الرب بتاح (الخالق) والأم سيخميت والابن نيفرتوم Nefertum إله شروق الشمس. 
يكتب أسمها في المصادر بأشكال مختلفة مثل: ساخيت Sakhet، سكميت Sekmet، ساشميت Sachmet و سيخيت Sekhet. 
توصف سيخميت أحيانا بأنها ابنة إله الشمس رع، خلقها لرعاية الأرض حين تغمض عينه برهة عنها، كما توصف بأنها ابنة السماء (نوت) وابنة الأرض (جِب). وتعرف أيضا بأنها شكل من أشكال تجلي المعبودة الشهيرة حتحور. انتشرت عبادتها في كل أنحاء مصر وسجلت في كثير من المعابد.
تتجسد سيخميت في شكل إمرأة برأس أنثى الأسد (اللبوءة) رمزا للصياد الشرس الذي يعرف كيف يقتنص فريسته، وتعرف بأنها معبودة بث الرعب في نفوس الأعداء، وتقترن يشمس الصحراء الحارقة القادرة على السيطرة على الأفق الذي يحيط بوادي النيل ويتحكم فيه ويردع الغزاة. 
يذهب بعض الباحثين إلى أن السباع والأسود لم تكن منتشرة في مصر في مناخ تلك الفترة ( 5 – 7 آلاف سنة مضت) بما يسمح بانتشار هذا المعبود، وبالتالي ربما جاءت من النوبة وبلاد كوش وما خلفها في عمق الشرق الإفريقي الذي كان يرتبط مع مصر بعلاقات حضارية وتجارية وعسكرية معها. 
أغلب التماثيل التي تجسد سيخميت بشكل مبدع ومعبر ومنحوتة من صخور الجرانيت المقاوم للزمن توجد اليوم في متاحف خارج الأراضي المصرية
***
الفخراني الذي خلق المصريين من صلصال كالفخار !
يذهب علماء الآثار إلى أنه قبل أن تظهر الأديان التي نعرفها اليوم وتؤكد لنا فيها الكتب المقدسة أن الله خلق الإنسان من صلصال من طين ارجع المصريون القدماء منذ الأسرة الأولى (حوالي 3 آلاف سنة قبل الميلاد) خلق الإنسان إلى المعبود "خنوم" وهو لديهم الإله الخالق للأرض وما عليها.
الصورة المرفقة أخذتها من الجدار الداخلي لمعبد إسنا في صعيد مصر قبل اسبوعين، ويذهب علماء الآثار إلى أنها تمثل ثلاث مراحل للخلق تبدأ (من اليسار إلى اليمين) بتصوير خنوم يخلق الإنسان على عجلة الفخار وتنتهي بوضع الإنسان الوليد في "حضانة" الميلاد قبل أن يخرج منها للحياة طفلا بهيئة بشر. 
في أول تعليق صورة لخنوم من الأقصر من أحد الكتب المرجعية التي عدت إليها في الموضوع، وفي التعليق الثاني الشكل المثالي الذي يمكن أن تجده في المعابد المصرية للمعبود خنوم على هيئة إنسان برأس كبش وكان الصعيد مركز عبادته الأصلي. يرمز خنوم للخصوبة وعناصر الحياة الأساسية خاصة الماء (ومن ثم فهو مصدر مياه النيل). 
صحيح أن فكرة تصوير خنوم على هيئة فخراني يشكل الإنسان من طين على عجلة الخلق الفخارية جاءت لاحقة في نهاية عصر الأسرات وبداية العهد البطلمي إلا أن وجودها كأسطورة مصرية معروف منذ بداية تاريخ الحضارة المصرية. 
وتذهب بعض المصادر إلى أنه إذا كانت فكرة خنوم خالق الإنسان على عجلة الفخار قد ترسخت في الصعيد فإن الفكرة التي سبقتها وكانت مترسخة في العاصمة الشمالية منف (جنوب الجيزة حاليا) هي أن المعبود "بتاح" خلق الإنسان من كلمة... قال له كن فيكون..صيحة الصائح الكبير.
***
الدين في القلب لله.....والسلام والوطن والأمن للجميع
أعياد مجيدة لكل الاصدقاء
------
شكرا لكرم الضيافة في دير الأنبا باخوميوس، البر الغربي للنيل غير بعيد عن إدفو