Expeditions

A journey of a thousand miles begins with a single step

- Chinese proverb

مرسى مطروح

كنتُ رئيسا لمصر !
هذه هي المرة الأولى منذ ترحالي بين بدو الصحراء التي يأمن لي فيها أحدهم ويفتح لي أرشيف عائلته المصور. وضع صالح العشيبي صور النساء جانبا (مخبئا إياها برفق أسفل وسادة عن يساره بعيدا عن عيني).
عشرات من الصور شغفتني، لو أن هناك أرشيفا قوميا في هذا البلد لتم جمع ما بحوزة العشيبي وأمثاله من عوائل الصحراء وأودعت نسخ منها في متحف وطني لتطلع عليها الأجيال. 
بين الصور الرمادية لعائلة العشيبي رجعت عقودا بالزمن: صور مدهشة لحياة الفروسية، الأزياء التقليدية التي كادت تنقرض اليوم، نمط الحياة البدوية سعيا للرعي أو صيد الأرانب البرية، تطور وسائل النقل من "الناقة" إلى "التايوتا". 
ثم فجأة استوقفتني الصورة المرفقة.
في هذه الصورة يتوسط اللواء محمد نجيب عائلة العشيبي. لا يعرف كثير من طلابي في الجامعة محمد نجيب. منذ أن تم إلغاء مفهوم التثقيف السياسي في هذا البلد لا يراجع أحد الدور السياسي لمن تم إسدال الستار عليهم. كان محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية بعد الإطاحة بالملكية (وليس جمال عبد الناصر على نحو ما تم التدريس في مناهج التربية والتعليم لعقود طويلة حذفا لدور الرجل وإلغاء لتاريخه). 
قبل 20 سنة قرأت كتاب "كنت رئيسا لمصر" الذي دونه في آخر أيامه (1984) الرئيس محمد نجيب. أعدت أمس واليوم تصفح الكتاب عبر واحدة من النسخ الإليكترونية المتوفرة بغزارة على الإنترنت. تبين لي من إعادة القراءة زوايا جديدة غير التي كنت مهتما بها قبل عقدين من الزمن. 
لو أن هذه هي المرة الأولى التي تقرأ فيها الكتاب أبشرك بمتعة كبيرة ودهشة مثمرة. سيكشف لك الكتاب عن صفحات مهمة جدا من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خاصة علاقتنا بالسودان التي كان من المرجح أن تقوم بيننا وبينهم دولة متكاملة جغرافيا في عهد الرئيس نجيب. 
لن أفسد عليك متعة التشويق، فقط أدعوك (لربط الكتاب بالصورة المرفقة مع هذا المنشور) أن تراجع صفحتي 9 و 10 من الكتاب والتي يتذكر فيها نجيب كيف أنقذ العربان عائلته من القتل في الخرطوم زمن الثورة المهدية في يناير عام 1885. 
كان من المفترض أن يقطع الثوار رأس الضابط المصري محمد عثمان بك (جد محمد نجيب) والذي كان يعمل برفقة أسرته قائدا لحامية بوابة المسلمية: إحدى معاقل الخرطوم الجنوبية. العلاقة الوثيقة التي نشأت بين الضابط وحاميته والسكان المحيطين به والوصل المتبادل بينهما أنقذ جد محمد نجيب ووفر لعائلته الأمن والحماية من فتك الثوار.
نظرتُ إلى الصورة ثلاث أو أربع مرات وتساءلتُ: هل كان محمد نجيب في هذه الصورة في صحراء مرسى مطروح يصل ما بدأه جده في الخرطوم؟!
--------------
ملحوظة:
الصورة المرفقة تنشر هنا على صفحتي بتصريح من عائلة العشيبي فلها مني كل شكر وتقدير.
ولم أجد على الصورة تاريخا، لكن في مذكراته في الكتاب المذكور أعلاه عمل محمد نجيب مديرا لسلاح حرس الحدود بين عامي 1949 و 1950 وكان له اهتمام خاص بالصحراء الغربية وذلك بعد الفترة التي عمل فيها وكيلا لمحافظة سيناء ثم محافظا للبحر الأحمر، وكان يكتب دراسات وأبحاث عن الصحاري المصرية تم الاعتماد عليها على أعلى مستوى من القيادة السياسية للبلاد آنذاك.

 

***

زيارة جديدة إلى "مخافة الله".
كل ما تم نقشه في الصغر يطاردنا بقية العمر. في كُتّاب القرية ردد شيخي "اعلم يا ولدي أن رأس الحكمة مخافة الله". هل أفلحت نصيحته معي؟ كم من ذنوب ارتكبتُ ولم يكن من أثر لنصيحته سوى وخز الأبر في جنب ضميري . 
كانت أولى زياراتي إلى منطقة "رأس الحكمة" في شمال الصحراء الغربية عقب تخرجي من الجامعة. تلفتُ أبحث هنا عن مخافة الله في كل ما حولي وكأني سأجدها بين الصخور، فتشت عنها عند أعشاب البحر التي طردتها بإهانة أمواج مغرورة، غرست يدي مرارا أتلمسها في رمال تلال ناصعة البياض كأنها فرت إلينا من بلاد الشمال، أدرت رأسي مرارا بين أغصان أشجار التين العتيقة .
ما هي تلك المصادفة التي تجمع المكان باسمه التاريخي؟. كيف حلت "رأس الحكمة" محل اسمها في العصر المسيحي "رأس الكنايس". أي جغرافي عبقري نصح الملوك والحكام عبر آلاف السنين ليتخذوا هذا المكان منتجعا لهم. 
توقفت في "خليج الأميرات" عند أبعد نقطة في البحر من "رأس الحكمة". مكان يستحق اسمه عن جدارة: ماء رقراق ، بحر أزرق مبهج، رمال حانية على أقدام الأميرات والملكات والوصيفات..أكاد أسمع صدى صوتهن ما زال يتردد بين جنبات المكان. 
قرية "فوكة" واحدة من قرى بدوية عديدة في رأس الحكمة، مررت عليها في سنوات سابقة ولم تنجح في أن تلفت انتباهي. هذه المرة انشقت الأرض أمام حافلتنا فامتشق جسر أنشىء حديثا فوق السكة الحديد مرتفعا عن الأرض عشرين مترا فأعطانا مرورا حرا رأيت معه المكان من علٍ كما لم أشاهد من قبل. خرجت من فمي كلمة "الله". 
راسما على وجهه ابتسامة سخرية رد سائقي البدوي: "يعجبك الجسر؟! يؤلمني أنا جدا ..نمر هنا فوق دماء العشرات من أبناء بلدتنا، هذا الجسر أقيم بعد فوات الأوان، هنا اصطدم القطار بعربات النقل وسيارات المسافرين..وفقدت بينهم صديق عمري".
ثلاثة أيام من اللف والدوران في رأس الحكمة، توقفت طلبا للراحة في مرسى مطروح، أعجبتني شاشة عملاقة أقيمت وسط المدينة قرب البحر، لا تتوقف الشاشة عن عرض نتائج الانتخابات بعد العرس الانتخابي. في هذا المكان قبل ثلاثين سنة كانت الأهرام والجمهورية تتحدث عن نسب تصويت ونتائج مشابهة لديموقراطية على المقاس المصري... أمسكُ رأسي بيدي.
يأتيني من مسجد قريب صوت القرآن استعدادا لرفع آذان المغرب، الشمس تنزل إلى أفق الغروب ساخرة من كل ما حولي..القرآن يختم بثه من مكبر الصوت فيكون آخر ما أسمع "فاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". 
أصل إلى غرفتي في رأس الحكمة بعد تعب يوم طويل، على فراشي تنتظر من ليلة أمس رواية مترجمة ببلاغة عن الفرنسية عنوانها "كيف أصبحتُ غبيا؟".

 

***

من حكايات المرابط في وادي الخروبة !
جلست إليه في المربوعة (غرفة الاستقبال). دار بيننا الحوار التالي، وقد حذفت الأسئلة وتركت لك إجابات الشيخ حامد المرابط: 
- لا ياولدي ..ما أعرفه وعلمني إياه أجدادي أن اسم المكان لا علاقة له بشجرة الخروب. أعطى الأجداد المكان هذا الاسم بسبب الخراب الذي كنا نعيش فيه. لم تكن تسمع هنا قبل عقود قريبة سوى أصوات السيول والرياح. ما تراه حولك هنا من عمار وخضار هو ابن العقود الاخيرة فقط، لم نعد نخاف الآن على أغنامنا، كنا في السابق نحميها في كهوف الجبال خلف الخيام كي لا يجرفها السيل القاتل..اليوم بنينا لها حظائر مانعة آمنة. نعم. يمكنك أن تسمى المكان الآن "المعمورة". مصادر الكسب أصبحت أوسع مما مضى، كنا نعيش على ما تجود به الزراعة البعلية لأشجار التين والزيتون وما توفره الأمطار من عشب للأغنام والإبل. اليوم فتحت أبواب رزق أوسع على أبنائنا. أغلب الناس هنا يربون أولادهم على الكسب الحلال..لكن في كل مكان الطالح والصالح كما تعلم.
- نعم وفرت لي المدنية الطحين الجاهز للخبز لكني أشتاق إلى الدشيشة (طعام من قمح بري يكسر ويطبخ كالأرز) والرُب (عصير التمر). لا أنكر أن الحياة الآن أفضل لكن صحتي أسوأ..لقد جاءت الأشياء التي كنت أتمناها متأخرة. 
- الأمر ليس بهذا الوضوح الذي تظنه فارقا بين قديم وجديد، نعم ما زلنا نحافظ على تراث الآباء، كنا نقيم كل عام مولد سيدي "عبد القادر المسماري"، نجهز الطعام للفقراء وغير القادرين، نرقص بالخيول ونرتدي لباسنا التقليدي ونقيم في نهاية الليل حلقات الذكر العامرة بالإنشاد الديني على صوت الدفوف. للأسف الأبناء لا يهتمون بذلك مثلنا، بعضهم فقد عقله: كيف يقول لي أحدهم إن هذا شرك وبدعة؟!.
- لما العجلة؟ لأبد أن تذهب لترى مقام سيدي المسماري، كان لهذا الشيخ كرامات انتشرت في كل ربوع وادي الخروبة، هل رأيت مقابر "العويلة" (الأطفال الصغار) سبعة اطفال ماتوا واحدا تلو الآخر حينما غضب الشيخ على أبيهم، اجلس لأحكي لك القصة. كل شىء جاهز ترحيبا بك، ينتظرنا "أبو مردوم" (وجبة من لحم الضأن سويت على نار أوقدت من حطب أشجار السنط، وفيها توضع قطع اللحم مباشرة على الصخور في بطن الأرض ثم تطمر بالرمل ويوقد فوقها مجددا لمدة ساعة ونصف..وتستغرق عملية الطهي برمتها ما بين 3 إلى 4 ساعات). 
- ضاحكا: أنت تجمع الأشياء القديمة حولنا لتظهر في الصورة؟ لا تخدع طلابك! قل لهم الحقيقة ...أخبرهم أنني منذ عقدين أو أكثر لم أعد أضع إبريق المياه فوق لمبة الجاز طيلة الليل حتى إذا جاء وقت صلاة الفجر وجدت الماء دافئا للوضوء..اليوم عندنا سخانات مياه كهربائية.
هل تريد أن تنشر ما تكتب الآن لأصدقائك على الإنترنت؟ عندي وصلة واي فاي !

***

الحب على طريقة سائق التاكسي

من الأساليب المضحكة لسائق التاكسي القاهري أنه سرعان ما يرحب بالزبون العربي بإدارة الراديو على موجة الأغاني الخليجية وبالزبون الغربي على موجة البرنامج الأوروبي معتقدا أنه بهذا "يرَّيح الزبون" ولسان حاله "ما تزال في بيتك، فلا تشعر بالغربة ياعزيزي". يراهن السائق هنا على أن الزبون سيكافئه بأجرة مضاعفة تقديرا لذكائه النادر. 
لا يحصل سائق التاكسي على الوعد المنتظر، وهي نفس النتيجة التي وصل إليها أحد أصدقائي مؤخرا حين أراد ان يقترب من قلب معلمة للغة الفرنسية فكان يرسل إليها صباح مساء أغاني بالفرنسية (لم يكن يفهم منها شيئا) فما كان منها إلا أن انصرفت عنه.
كنت محظوظا هذه الأيام في رأس الحكمة ومرسى مطروح لأن سائق رحلتي "مصطفى المسماري" كان حكيما بما يكفي. أسمعني المسماري الأغاني التي يحبها هو، التي يفهمها ويعشقها هو، لم يكن يعنيه ماذا أريد، كان يفهم أنني زائر للصحراء الغربية وزاهد في الأغاني القاهرية. 
ومن بين ما أسمعني أرشح لكم الأغنية المرفقة. 
تتفاخر الأغنية بالقبائل البدوية في الصحارى المصرية: من السلوم إلى أسوان. تبدأ الأغنية بالتفاخر بالعشيرة من قبائل السلوم ومطروح والبحيرة والإسكندرية وصولا إلى شمال سيناء وجنوبها ومن هناك إلى بدو الصحراء الشرقية مرورا بالبحر الأحمر والغردقة.
ومن الصحراء الشرقية إلى شرق الدلتا تاخذنا الاغنية تمجيدا لقبائل السويس والإسماعيلية والشرقية وترسل تحية خاصة لقبائل المعازة . 
لا تنسى الأغنية عربان الأهرامات وسقارة والعياط والصف وحلوان والواحات. كما لا يفوتها عربان الفيوم وأسيوط وقنا وهوارة وأسوان.

***

محاولة فاشلة لطلوع الشجرة خلف الطرّام

تعرفت على "حميد الطرّام" في شمال الصحراء الغربية، وهو من قبيلة العشيبة إحدى القبائل الرئيسة لأولاد على الأحمر.قال لي الطرام "لا يمكنك رؤية بلادنا إلا إذا طلعت خلفي شجرة "النتل" ومن أعلاها سترى كل شىء: الآبار، حدائق التين والزيتون، وأبراج الحمام. يبلغ حميد من العمر ثلاثين سنة، ومنذ أن كان عمره 10 سنوات يأتي إلى هذه الشجرة مع ذويهلنصب شباك لصيد الطيور المهاجرة.
تأتي الطيور إلى الساحل المتوسطي لصحراء مصر الغربية بين شهري أغسطس وأكتوبر من كل عام، وأهم هذه الطيور: القِمري، أبو صُفّير، السِّمان، الشحيّم (خاصة العُصفر والدِبسي).
وعلى الرغم من أن لكل من اسمه نصيبة فإن الطرام (الذي يظهر في أعلى الشجرة) رجل متواضع لم يبخل على ّ بأي معلومة أو حكاية شعبية، ولا علاقة لهذا الحفيد باسم جده الطرَّام (والذي يعني اسمه حرفيا "رافع منخاره").

Quseir, Al Bahr Al Ahmar, Egypt