Vietnam

فيتنام (2)
في رواية "صالح هيصة" التي تدور عن القاهرة والناس قبل نحو نصف قرن، اختار الراحل خيري شلبي شارع "معروف" في وسط البلد ليرسم بالكلمات صورة المكان المسكون بصخب البائعين الجائلين، فلاحات بيضاوات جئن من جنوب الدلتا يفترشن الأرض لبيع فاكهة طازجة أمام رواد مقاه متلصصين على مفاتن أجسادهن، وخلف الأصوات والزحام تنعقد جلسات الحشيش في الأزقة المتفرعة من الشارع منبعثة منها "عبقرية" فهم التحولات الاجتماعية!!
الصور التي أرفقها هنا للعاصمة هانوي يبدو لي أنها تجمع بعضا من تجليات المكان عند كل من نجيب محفوظ وخيري شلبي. 
يقوم الحي العتيق في المدينة حول بحيرة مقتطعة من تعرجات نهرية قبل أن يترك "النهر الأحمر" مكانه إلى موقع جديد مهاجرا شرقا (حتى الأنهار تهاجر...أليست أرض الله واسعة؟!)، هذه البحيرة تذكرنا ببحيرة الأزبكية في وسط القاهرة التي جفت ولم يعد لها وجود الآن. حول بحيرة هانوي ما زال الناس يتجمعون بين غناء ورقص وشجن وبحث عن الأرزاق، رأيت هنا للمرة الأولى قتال الديوك. 
غير بعيد من الحي العتيق تقع دار الأوبرا في تناقض معماري تام مع الأزقة العطنة ، لا تفوتك هنا زيارة متحف تاريخ هانوي..متحف لا يليق بالمدينة بعد أن نهب الاستعمار وبددت الحروب الكنوز الأثرية لهذه الأمة. 
أجزاء من هانوي تشعرك أنك عند باب الفتوح في القاهرة التاريخية، وأحيان أخرى عمارة أوربية متجاورة مع عمارة نهاية القرن التاسع عشر وأخرى بنيت قبل عشر سنوات. 
إذا كنت زرت مومباي مثلي من قبل فستحصل في هانوي على نصف دهشة، فمومباي تجمع في مكان واحد ثقافات شبه القارة الهندية ومن يراها فقد رأى الهند وما جاورها في جرعة مكثفة تأخذ الأبصار، وإذا كانت هذه زيارتك الأولى إلى آسيا الجنوبية فستظل تحمل ابتسامة طفولية ساذجة طيلة اليوم. 
المعابد البوذية تصادفك في كل مكان، إن كنت مسلما فعليك أن تبحث في شمال الحي العتيق عن مسجد "النور" الذي أسسه مهاجر هندي مسلم جاء لهانوي قبل نحو قرن من الزمن..الصلاة في المسجد قد تمنحك بعضا من الرضا عن خطواتك في هذا الزحام. 
يبدو لهواة التعميم أن الحمار في الريف المصري كان دابة حمل اشتراكية، لكن الاستعمار والاقطاع تركا الريف المصري مميزا بين حفاة راكبي الحمير وحفاة مترجلين بمحاذاة الترع. 
مع انفتاح بلاد النفط العربي أمام الفلاح المصري قفز الحلم من ركوب الحمار إلى ركوب "التايوتا" (سيارة ربع نقل من إنتاج شركة تويوتا اليابانية). لم يجد الفلاح المصري بأسا من أن يتصالح مع نفسه في هذا الحلم، حين نزل أجيرا عند أخوة له انتقلوا للتو من ركوب "الإبل" إلى ركوب "الأوبل"! (ستترك الأوبل الألمانية مكانها هناك سريعا لسيارات أمريكية ويابانية).
لم نلحظ في عالمنا العربي المصاب بالنقلات الحضارية الصادمة أنه بين استخدام الحمار (وقبله استخدام البشر عبيدا للحمل) وركوب السيارات الحديثة أن الدراجة كانت ثورة اشتراكية وتمردا فردانيا على طريق الحرية. 
خلال الانتقال الصادم من الحمار إلى السيارة ضاعت فرصة ركوب الدراجة بتطوراتها المختلفة من "العجلة أم بدال" إلى الدراجة النارية (الموتوسيكل)، 
في الثلاثين سنة الماضية لعبت السينما "الوطنية" دورها "المسىء للوطن" في تشويه كل شىء في مصر بما في ذلك تصوير راكب الدراجة النارية إرهابيا أو مجرما في أحسن الأحوال. 
وحين وصل في السنوات العشر الأخيرة لبلادنا "التوكتوك" بدا وكأنه دراجة نارية تقلد سيارة صغيرة ذكية ومرنة تعرف طريقها وسط الأزقة الضيقة، وقد أدى في البدايه دوره بنجاح سواء في الريف الذي يلفظ انفاسه الأخيرة أو في المدينة المتريفة حاملا بسعر زهيد سيدات مترهلات مصابات بأمراض مُقعدة أو شبابا أصابهم سوء التغذية في بيئة ملوثة بكراهية الترجل بضع مئات من الأمتار. 
حين رأيت التوكتوك في الهند قبل أن يصل إلى مصر المحروسة أبديت إعجابي بعبقرية الاختراع الاشتراكي الجديد، لكن لسوء الحظ ترك التوكتوك في مصر بلا رقابة وحُرمنا من فضائل تلك الوسيلة الاشتراكية إلى غير رجعة. 
على هذا النحو فلتت من ريفنا مرحلة الدراجة الهادئة الحالمة، حتى ليبدو غريبا على الجيل الحالي سماع أغنية منير "الفرصة بنت جميلة راكبة عجلة ببدال" 
بهذه السلسلة من النقلات الفجائية خضعنا عبيدا نترقب "الموت على الأسفلت" على أيدي قائدي "النعوش الطائرة" من سائقي الميكروباص (سيارة تويتا نقل جماعي اخترعت بمقاس أحجام البشر في اليابان ويتم استخدامها في مصر كوسيلة تعذيب مقنعة لتكسير عظام البشر). 
أعود بكم إلى فيتنام مع المشهد المتكرر الذي يملأ كل المدن والأرياف.
شجون من المحيط الهادئ إلى خليج العقبة
الصورة الأولى لجزيرة صخرية صغيرة ضمن مركب أرخبيل ساحلي في المحيط الهادئ تخبرك بقصة ملايين السنين من الطي والضغط والشد والجذب. فيتنام تحافظ على تاريخها الجيولوجي وتدر منه أرباحا هائلة بتنظيم رحلات سياحية عالية التنظيم تجلب هنا 4 ملايين سائح سنويا.
التنين يفدي البلاد
في قديم الأزمان حين هجم الأعداء من الشمال على فيتنام لإخضاع أهلها وسومهم سوء العذاب، انبرى التنين للدفاع عنهم على البر الشرقي. كانت سفن الأعداء كثيرة، وجيوشهم غفيرة، وحين لمعت أعين الأعداء ابتهاجا بالنصر الوشيك كادت قلوب الفيتناميين أن تنفطر. لم يستطع التنين أن يواجه الأعداء دفعة واحدة، فسفنهم تقترب كموج البحر، اهتدى التنين العاشق إلى فداء فيتنام بنفسه فاستحال جبلا ضخما ثم فجر ذاته إلى ألفي جزيرة صخرية أمام الساحل البحري ، تحطمت سفن الأعداء وانقلبت غرقا، وتاه البعض الآخر بين ممرات الجزر المهيبة..هلل شعب فيتنام بالنصر والنجاة ..وآمن بروح التنين المقدسة!
الصور التي أعرضها لكم أخذتها على مدار يومين من خليج "ها لونج Ha Long " في شمال شرق فيتنام على الحدود مع الصين وقبالة ساحل المحيط الهادئ، حيث تترامى هذه الجزر التي يقترب عددها من ألفين، تجذب الأنظار وتخلب العقول وتحولت في السنوات الأخيرة إلى موقع "تراث إنساني عالمي" برعاية اليونسكو..يزور فيتنام 8 ملايين سائح سنويا: نصفهم يأتي إلى هنا. 
إذا لم تكن القصة السابقة قد أعجبتكم وتريدون أن أقص عليكم حديثا جغرافيا عن التاريخ العلمي للتطور الجيولوجي لهذه المنطقة وكيف تكونت هذه الجزر بحركات الطي والتصدع.
تحياتي من مدينة سايجون:
في الصباح الباكر: بحثا عن أصدقاء جدد في معبد بوذي...ترانيم وعمارة مبهرة وطقوس ساحرة وصورة مع راهب بوذي مهاجر من كمبوديا.
في المساء: صلاة العشاء خلف إمام صيني يرتل القرآن من القلب في مسجد أقامه مسلمون صينيون في "تشاينا تاون" (الحي الصيني).
مدينة سايجون عاصمة الجنوب عند رأس دلتا نهر سايجون ..عمارة من زمن الاقطاع قبل قرن من الزمن وآثار الاستعمار الفرنسي حتى منتصف القرن العشرين وأخرى ما بعد حداثية تحت الإنشاء.